سعت الحكومات العربية، عبر مسيرتها الطويلة، إلى إشعال الحرائق والعواصف في جغرافيا مجتمعاتها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد ساهمت في استدامة هذه الدوامة حالةٌ من الغوغائية والدهمائية المصنَّعة، تُستدعى باسم الدين أو المذهب أو الكرامة الوطنية أو غيرها من الشعارات الفضفاضة، التي لا تؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان في موضع، أو تفريغه مؤقتًا في موضع آخر، دون معالجة أسبابه البنيوية العميقة.
ترافقت هذه السياسات، داخليًا وخارجيًا، مع محاولات حثيثة لإشغال الإنسان العربي – ولا سيما الشباب والشابات – بالطارئ والعابر والمؤقت، حتى يُحرَم من الوقت والقدرة على التركيز في الثابت والجوهري: الحرية، والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، والمشاركة السياسية، والمساءلة العامة.
ومن بين هذه الثوابت التي لا يجوز أن تغيب عن المسرح العام، لا ليوم واحد ولا لساعة واحدة، فكرًا ونقاشًا ونضالًا، مسألة انتقال المجتمعات العربية إلى نظام سياسي–اقتصادي ديمقراطي عادل. غير أن هذا الانتقال ظل معطَّلًا، ليس فقط بفعل الاستبداد، بل أيضًا بسبب غياب تدريس مفاهيم الديمقراطية والحرية في المدارس والمعاهد والجامعات، وبسبب غياب تعريف جامع ومتفق عليه للديمقراطية، فضلًا عن غياب منهج واحد لتطبيقها عمليًا، أو فهم موحَّد لعلاقتها بمفاهيم سياسية متداولة مثل: الحرية، والفردانية، والشورى، والرأسمالية، والعلمانية، والليبرالية.
من هنا، تبدو الحاجة ماسّة إلى حوار عام ونقاشات جادّة وإيجابية داخل المجتمعات العربية، حوار يأخذ بعين الاعتبار – قبولًا أو رفضًا أو نقدًا أو تعديلًا – التراث التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي، والواقع الوطني والقومي الراهن، ولا سيما التجارب القاسية والمريرة التي عاشتها هذه المجتمعات منذ ما سُمّي بالاستقلال الوطني، وهو استقلال لم يكتمل بعد في جوهره السياسي والاجتماعي.
ولكي يدرك شباب الأمة، وخاصة أولئك القابضين على الجمر وحاملي همّ الالتزام الوطني والقومي، مدى تشعّب وتعقيد المسألة الديمقراطية، لا بد من العودة إلى تعريفاتها التاريخية ومراجعتها. فقد ظهرت الديمقراطية، في بداياتها، بوصفها تركيبة لغوية ومقولة فلسفية تعني «حكم الشعب»، كما صاغها بعض فلاسفة اليونان. غير أن أفلاطون رفض هذا التصور مبكرًا، معتبرًا أنه يفضي إلى حكم الفقراء والمتعالِمين والمتفيقهين والجهلة، على حساب أهل المعرفة والحكمة. ثم جاء أرسطو ليقترح فهمًا آخر للديمقراطية بوصفها «الحكم الرشيد» أو «الحكم الصالح»، حيث تحكم أقلية مؤهلة برضى الأكثرية.
وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى، تسرّبت أرستقراطية حكم الأقلية إلى نظامٍ كان يُفترض أن يكون تعبيرًا عن حكم الأكثرية لشؤونها العامة. فالطبقة الأرستقراطية، تاريخيًا، تمثل الشريحة الاجتماعية المتربعة على قمة الهرم الاجتماعي، وفي الأنظمة الملكية على وجه الخصوص، تتكوّن من أصحاب الألقاب الموروثة أو المرتبطين عضويًا بالسلطة.
ومع مرور الزمن، باتت الديمقراطية – بوصفها حكم الشعب – شكلًا من أشكال السلطة التي يشارك فيها المواطنون المؤهلون، إما مباشرة أو عبر ممثلين منتخبين، في اقتراح القوانين وصياغتها وتطويرها. واتسعت دلالتها إلى حدٍّ أصبحت فيه «كل شيء لكل الناس»، بحسب السياقات الثقافية والسياسية المختلفة، الأمر الذي يفسر إلحاق صفات متعددة بها خلال القرن العشرين، مثل: الديمقراطية الموجّهة، والديمقراطية الشعبية، والديمقراطية الانتقائية، والديمقراطية العضوية، والديمقراطية الجديدة، وغيرها، بما في ذلك تجارب عربية رفعت هذه الشعارات، أحيانًا بنوايا إصلاحية، وأحيانًا أخرى بنوايا انتهازية سلطوية.
ولم يزد المشهد إلا قتامة وتعقيدًا مع تعدد التعريفات والتوصيفات، مثل: حكم الأغلبية، أو سلطة الإدارة العامة، أو رضا الأغلبية، أو الحكم الدستوري. كما أُثيرت مخاوف حقيقية من طغيان الأغلبية أو ديكتاتورية الدهماء، ودعا بعضهم إلى تقييد حق التصويت بشروط تعليمية، فيما رأى آخرون أن الديمقراطية تفقد معناها بوجود حكومة مركزية واسعة الصلاحيات. وذهب فريق إلى التأكيد على أن الديمقراطية ليست عقيدة فلسفية بقدر ما هي منهج تنظيمي لإدارة القوانين والمؤسسات، يهدف إلى تحقيق السلم الأهلي.
وفي هذا السياق، برز مفهوم «العقد الاجتماعي»، ولا سيما في صياغته التي قدّمها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، حيث تقوم شرعية السلطة على قبول الأفراد – ضمنيًا أو صريحًا – بالتخلي عن جزء من حرياتهم مقابل حماية حقوقهم الأساسية. ومع تراجع المشاركة السياسية في العصر الحديث، اقترح بعض المفكرين جعل المشاركة في الانتخابات إلزامية، تفاديًا لتحول الديمقراطية إلى حكم أقلية فاعلة بإرادة أكثرية صامتة وغير معنية.
ولا يخلو الفكر العربي المعاصر من تراث تنويري غني، أسهم في بنائه مفكرون وكتّاب وأدباء وفنانون، عاشوا في القرن العشرين داخل أوطانهم أو في المنافي القسرية. غير أن مأساة هؤلاء التنويريين تمثلت في غياب الفاعلية المجتمعية لأفكارهم، ما قاد إلى حالات نفسية وذهنية سلبية، بدأت بالسخرية من الواقع ورفض التغيير البنيوي، ومرّت بالعدمية والحلول الفردية، وانتهت بالعجز والاستسلام لمصائر الاستبداد والتخلف.
وفي السياق العربي، جرى إقحام مفهومي «طاعة ولي الأمر» و«الشورى» في الجدل حول الديمقراطية، وهما مفهومان إشكاليان ومحل خلاف تاريخي عميق، ما أسهم في تعقيد النقاش وإحداث انقسامات حادة حول مسألة لم تعد تحتمل التأجيل في مجتمعات عانت طويلًا من القهر والطغيان.
إن استعراضنا لتعدد تعريفات الديمقراطية وتباين تطبيقاتها لا يهدف، بأي حال، إلى التشكيك في ضرورتها أو تبرير تأجيلها، بل على العكس: لا سبيل إلى إخراج العرب من تخلفهم التاريخي إلا عبر مشروع ديمقراطي يكون جزءًا أصيلًا من بنيته وماهيته. وهذا ما أشار إليه عدد من المفكرين العرب الذين ربطوا الديمقراطية بالنسيج الاجتماعي والتركيب السياسي والثقافي، مثل دراسات الدكتور عبد الله هدية حول الليبرالية السياسية والاقتصادية، والدكتور خالد بن عبدالعزيز الشريدة في نقد إشكالية الشورى والديمقراطية، والدكتورة موضي عبدالعزيز الحمود في دراستها عن المرأة في المجتمع الديمقراطي.
وهو ما سنسعى إلى توضيحه وتعميقه في مقالات لاحقة.






