جاري التحميل...

الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار.. من يمول الحمل الثقيل؟

محمود مشارقة
تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ .. حدث تتخطى دلالاته حدود الولايات المتحدة إلى الاقتصاد العالمي، ويطرح تساؤلات : كيف تموّل واشنطن هذا الحمل الثقيل، وإلى أي مدى يمكنها مواصلة الاقتراض وهل تواجه خطر الإفلاس؟
الإجابة تبدأ من سوق سندات الخزانة الأمريكية. فعندما تنفق الحكومة أكثر مما تجمعه من الضرائب والإيرادات، تقترض وزارة الخزانة لتغطية العجز عبر إصدار أذون وسندات يشتريها المستثمرون والبنوك وصناديق التقاعد والمؤسسات المالية، إضافة إلى الحكومات والبنوك المركزية حول العالم.
والأهم أن واشنطن لا تنتظر سداد الدين بالكامل حتى تقترض من جديد؛ فعندما تستحق سندات قديمة، تصدر سندات جديدة لإعادة تمويلها، إلى جانب إصدارات إضافية لتمويل العجز الجديد. وهكذا تعمل المنظومة على الإصدار وإعادة التمويل بصورة مستمرة.
وتكشف أرقام وزارة الخزانة حجم هذه العملية؛ إذ تتوقع اقتراض نحو 739 مليار دولار في الربع الثالث من 2026 ونحو 628 مليار دولار في الربع الرابع من السوق الخاص.
هل الحل عبر التمويل بالسندات؟
بيع سندات خزانة هو وسيلة لتمويل العجز وإدارة الاستحقاقات، لكنه ليس حلًا لمشكلة الدين نفسها. فكل إصدار جديد يضيف التزامًا جديدًا، وكلما ارتفعت أسعار الفائدة زادت كلفة إعادة تمويل الديون القديمة.
الفائدة.. الحلقة الأصعب
المشكلة ليست في حجم الدين وحده، بل في سرعة تراكمه واستمرار العجز وكلفة خدمته.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن يبلغ العجز الفيدرالي نحو 1.9 تريليون دولار في 2026، ويرتفع إلى 3.1 تريليون دولار في 2036، فيما تصعد صافي مدفوعات الفائدة من نحو تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار خلال الفترة نفسها.
وهنا تكمن العقدة: كلما ارتفع الدين ارتفعت الفوائد، وكلما ارتفعت الفوائد زاد الضغط على الموازنة، بما قد يدفع إلى مزيد من الاقتراض.
من يمول ديون أمريكا؟
تستفيد واشنطن من ميزة استثنائية تتمثل في عمق سوقها المالية ومكانة الدولار، ما يجعل سندات الخزانة من أهم الأصول الآمنة والسائلة في العالم.
وتشارك البنوك والمستثمرون وصناديق التقاعد والمؤسسات المالية، إلى جانب الحكومات والبنوك المركزية الأجنبية، في تمويل الخزانة الأمريكية.
لكن استمرار الطلب على السندات ليس ضمانًا دائمًا؛ فارتفاع العوائد التي يطلبها المستثمرون يعني ارتفاع كلفة الاقتراض، وقد يضغط في النهاية على الموازنة والاقتصاد.
كبار المستثمرون حاضرون .. الارتهان لملاك السندات
لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها عبء تمويل دينها؛ فالمستثمرون الأجانب يمثلون جزءًا مهمًا من سوق سندات الخزانة. ووفق أحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية المتاحة حتى يونيو 2026، تتصدر اليابان قائمة الحائزين الأجانب بنحو 1.12 تريليون دولار، تليها المملكة المتحدة بنحو 940 مليار دولار، ثم الصين بنحو 633 مليار دولار، فيما تمتلك بلجيكا وكندا نحو 483 و460 مليار دولار على التوالي.
ترامب وبايدن فاقما الدين لكن المشكلة أكبر من رئيس
ليس من الدقة تحميل رئيس واحد مسؤولية الدين الأمريكي. فقد تراكم عبر إدارات متعاقبة بفعل التخفيضات الضريبية والإنفاق الحكومي وبرامج مواجهة جائحة كورونا والعجز الهيكلي، إضافة إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتمويل الأزمات والحروب.
لذلك فإن أزمة الدين أكبر من ترامب وبايدن؛ إنها نتيجة تراكمية لسياسات مالية جعلت الاقتراض أداة متكررة لتمويل العجز.
أزمة استدامة.. لا إفلاس
تجاوز 40 تريليون دولار لا يعني أن أمريكا على وشك الإفلاس، لكنه يفرض سؤال الاستدامة.
فإذا نما الدين والعجز أسرع من الاقتصاد، ستجد واشنطن نفسها أمام خيارات صعبة: رفع الضرائب، خفض الإنفاق، أو مواصلة الاقتراض بتكلفة أعلى.
وقد ينعكس ذلك على السياسة الخارجية أيضًا، عبر إعادة ترتيب الأولويات والضغط على الحلفاء لتحمل أعباء أكبر، وربما تقليص بعض الالتزامات الخارجية، وخصوصا تمويل الحروب والدفاع عن مناطق النفوذ.
الصين ونهاية الدولار
في المقابل، تصعد الصين كأبرز منافس اقتصادي واستراتيجي، فيما تتجه دول عدة إلى تنويع احتياطياتها وزيادة حيازاتها من الذهب واستخدام العملات المحلية في التجارة.
لكن الحديث عن نهاية الدولار ما يزال مبكرًا. الأرجح أن التحدي يتمثل في تراجع هيمنته المطلقة إلى هيمنة نسبية ضمن نظام مالي أكثر تعددًا.
الخطر الأكبر.. تغير قواعد اللعبة
40 تريليون دولار جرس إنذار، وليست إعلان إفلاس.
السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع أمريكا الاقتراض اليوم؟
بل: هل تستطيع مواصلة إصدار السندات وإعادة تمويل ديونها، وتمويل عجزها، ودفع فوائد متزايدة، مع الحفاظ على ثقة العالم بالدولار؟
التمويل بالسندات يمنح واشنطن الوقت، لكنه لا يلغي المشكلة؛ فهو أداة لإدارة الدين وليس علاجًا لتضخمه.
وإذا استمر الدين والعجز والفوائد في الصعود بالتزامن مع صعود الصين وتوسع البدائل، فقد لا نشهد سقوطًا مفاجئًا للدولار، بل تحولًا تدريجيًا نحو نظام اقتصادي ومالي أكثر تعددًا.
الدين الأمريكي قد لا يُسقط الدولار، لكنه قد يجعل العالم أقل اعتمادًا عليه. وهذه هي المفارقة الكبرى: كلما زاد اعتماد أمريكا على الاقتراض، زادت حاجتها إلى ثقة العالم بسنداتها ودولارها، وزادت في الوقت نفسه حوافز العالم للبحث عن بدائل.