الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة: أنطولوجيا الوطن والوجود الفلسطيني

بقلم د. صالح الشقباوي

أستاذ علم الاجتماع والفلسفة – جامعة الجزائر 2

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، لا نقف أمام حدثٍ تاريخي عابر، ولا أمام ذكرى سياسية يمكن اختزالها في حدود الزمان والمكان، بل نقف أمام انهيارٍ أنطولوجي كامل أصاب الإنسان الفلسطيني في وجوده، وكيانيته، ووطنه، وذاكرته. فالنكبة، كما صاغ مفهومها المفكر العربي قسطنطين زريق في كتابه «معنى النكبة» الصادر عام 1948، لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت سقوطاً حضارياً وتاريخياً وإنسانياً شاملاً
لقد أدرك زريق مبكراً أن النكبة ليست فقط ضياع أرض، بل ضياع معنى، وانكسار وجود، وتحطم صورة الإنسان العربي أمام ذاته. فقد تحولت فلسطين من وطنٍ حيّ إلى جغرافيا محتلة، وتحول الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ يحمل مفتاح بيته ويمشي في العراء باحثاً عن خيمة تؤويه. أكثر من ثمانمئة ألف فلسطيني اقتُلعوا من قراهم ومدنهم، وقُذف بهم إلى المنافي ومخيمات اللجوء، في واحدة من أعظم عمليات الاقتلاع الإنساني في التاريخ الحديث.

لكن المأساة الفلسطينية لا تكمن فقط في التهجير المادي، بل في محاولة إلغاء الوجود الفلسطيني ذاته؛ أي تحويل الفلسطيني إلى كائن بلا مكان، وبلا هوية، وبلا تاريخ. هنا تتجلى “أنطولوجيا النكبة” بوصفها تدميراً للكينونة الفلسطينية ومحاولة لاقتلاع الإنسان من جذوره الرمزية والوجودية. فالنكبة لم تصادر الأرض فقط، بل حاولت مصادرة المعنى، وإلغاء العلاقة الجدلية بين الإنسان الفلسطيني ووطنه.
ومن هنا، يمكننا الحديث عن ثلاثية دياليكتيكية كبرى شكّلت جوهر الوعي الفلسطيني المعاصر:
أنطولوجيا الوطن، وأنطولوجيا الوجود، وأنطولوجيا النكبة.
فالوطن بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد حدود سياسية، بل هو امتداد للذات والذاكرة والتاريخ. والوجود الفلسطيني لم يكن وجوداً عابراً، بل وجوداً متجذراً في المكان، في الزيتون، وفي الحجارة، وفي أسماء القرى، وفي رائحة التراب الفلسطيني. أما النكبة فقد جاءت كمحاولة لقطع هذا الترابط الأنطولوجي بين الفلسطيني وأرضه.
غير أن هذه الجدلية الثلاثية ولّدت بعداً رابعاً أكثر عمقاً وأشد حضوراً، وهو:
دياليكتيك الحلم، ودياليكتيك العودة، ودياليكتيك الثورة، ودياليكتيك الكفاح المسلح.
فالفلسطيني لم يستسلم للعدم، ولم يتحول إلى رقم في سجلات اللجوء، بل أعاد إنتاج ذاته من داخل الألم. لقد تحولت الخيمة إلى وعي، وتحول اللجوء إلى حالة مقاومة، وتحولت الذاكرة إلى مشروع وطني متكامل. وهنا تحديداً جاءت انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 لتعيد الروح إلى الجسد الفلسطيني، وتعيد الهوية إلى ذاتها التاريخية.
لقد قالت الثورة الفلسطينية إن الفلسطيني ليس شعباً يقف أمام الخيمة منتظراً قوته اليومي، بل شعب يحمل البندقية دفاعاً عن وطنه وحقه التاريخي. أعادت الثورة للفلسطيني معنى الفعل بعد أن أُريد له أن يبقى في حالة انتظار دائم. لقد أعادت له اسمه، وصوته، وصورته، ووجوده الرمزي في التاريخ.
إن الوطنية الفلسطينية ليست قراراً سياسياً يُمنح من أحد، وليست وثيقة اعتراف يصادق عليها العالم. فالفلسطيني لا يحتاج إلى شهادة تثبت فلسطينيته؛ لأنه وُلد من رحم أمه فلسطينياً، وولد وهو يحمل وجع النكبة في ذاكرته الجمعية. لكنه في الوقت ذاته، ولد وهو يحمل حلم العودة، وإرادة الانتصار على النكبة.
لقد حاولت النكبة تحويل الفلسطيني إلى إنسان بلا وطن، لكن الفلسطيني حوّل النكبة نفسها إلى مشروع وطني للتحرر والعودة. وهنا تكمن عظمة التجربة الفلسطينية؛ فهي التجربة الوحيدة تقريباً التي استطاع فيها شعب منكوب أن يحوّل المأساة إلى هوية مقاومة، وأن يحول الألم إلى معنى، والاقتلاع إلى جذور أكثر رسوخاً.
ثمانية وسبعون عاماً مرّت، وما زالت النكبة مستمرة بأشكال مختلفة؛ بالقتل، والاستيطان، والاقتلاع، ومحاولات محو الذاكرة. غير أن الحقيقة الكبرى التي لم يدركها المشروع الصهيوني هي أن فلسطين لم تعد مجرد جغرافيا، بل أصبحت وعياً وجودياً متجذراً في الوجدان الفلسطيني والعربي والإنساني.
ولهذا، فإن النكبة لم تنجح في إنهاء الفلسطيني، بل أعادت إنتاجه بصورة أكثر وعياً وصلابة. لقد انتصر الفلسطيني على النكبة حين رفض أن يتحول إلى مجرد لاجئ فاقد للمعنى، وحين جعل من العودة عقيدة وطنية، ومن الثورة فعلاً وجودياً، ومن فلسطين أنطولوجيا أبدية لا يمكن اقتلاعها من التاريخ.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يبقى الفلسطيني شاهداً على أن الأوطان لا تموت ما دام هناك من يحمل ذاكرتها، وأن الشعوب قد تُهزم عسكرياً، لكنها لا تفنى ما دامت تؤمن بحقها في الحرية والعودة والحياة.