جاري التحميل...

الذكرى 33 لتأسيس جمعية نادي الأسير الفلسطيني الأسرى بين جدران السجون وضمير القانون الدولي

بقلم: شيراز محمد عاشور – الجزائر

ثلاثة وثلاثون عاما ليست رقما عابرا في روزنامة مؤسسة، ولا مجرد مسافة زمنية تفصل بين تاريخ التأسيس وراهن اللحظة؛ إنها ثلاثة وثلاثون عاما من حمل الذاكرة من زنزانة إلى أخرى، ومن تحويل الألم الفردي إلى قضية عامة، ومن إبقاء أسماء الأسرى حاضرة في فضاءٍ يريد للسجن أن يكون جدارا من النسيان.

في 27 أيلول/ سبتمبر 1993 تأسست جمعية “نادي الأسير الفلسطيني” في حرم جامعة “بيرزيت”، بعد عام من الإضراب الشامل الذي خاضته الحركة الأسيرة في 27 أيلول/ سبتمبر 1992، والذي عُرف بـ”معركة بركان أيلول”. وتعود فكرة تأسيس النادي إلى قادة الحركة الأسيرة في سجن جنيد، ليغدو لاحقا إطارا وطنيا وشعبيا جامعا لقضية الأسرى، يتابع قضاياهم وقضايا عائلاتهم، ويرصد الانتهاكات، ويحفظ الذاكرة، وينقل صوت من حُرم من الحرية إلى خارج الأسوار.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن قضية الأسرى شأنا إحصائيا يُختزل في أعداد المعتقلين، ولا ملفا إجرائيا يُفتح حينا ويُغلق حينا آخر؛ بل ظلت قضية الإنسان الفلسطيني حين يُنتزع من بيته أو طريقه أو عمله أو جامعته، ويُزج به خلف القضبان، ثم يُطلب من العالم أن يرى في السجن نهاية القصة، بينما الحقيقة أن السجن قد يكون بداية فصل آخر من فصول الصراع على الكرامة والذاكرة والحق.

واليوم، في الذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس “نادي الأسير”، تبدو قضية الأسرى أمام واحدة من أكثر مراحلها قسوة وتعقيدا. فقد وثّق “نادي الأسير”، حتى 17 أيلول/ سبتمبر 2026، ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة الذين أُعلنت هوياتهم منذ بدء الحرب إلى 92 شهيدا، بينهم 53 معتقلا من قطاع غزة، في حين بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 ممن عُرفت هوياتهم 329 شهيدا. كما أشار النادي إلى استمرار غموض مصير عدد من معتقلي غزة في ظل الإخفاء القسري.

وهذه الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تقول كل شيء؛ فالرقم حين يدخل السجل الحقوقي يفقد شيئا من برودته الحسابية، لأن وراء كل رقم اسما ووجها وعائلة وذاكرة وكرسيّا ظل خاليا حول مائدة، وأما ظلت تنتظر خبرا، وطفلا كبر وهو يتعلم أن أباه ليس غائبا فحسب، بل غائب خلف باب لا يملك مفتاحه.

 

السجن ليس منطقة خارجة عن القانون

من أهم الحقائق التي ينبغي تثبيتها أن الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الحقوق. فالسجين لا يفقد إنسانيته عندما يغلق الباب خلفه، والمعتقل لا يصبح كائنا مباحا لمجرد أن سلطات الاحتجاز جردته من حريته. بل إن القانون الدولي يقوم، في جوهره، على مبدأ شديد الوضوح: الإنسان يحتفظ بكرامته وحقوقه الأساسية حتى وهو رهن الاحتجاز، ولا يجوز أن يتحول السجن إلى فضاء للإفلات من القانون.

ويحظر القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، ويحمي الحق في الحياة والسلامة الجسدية، ويضع قواعد دقيقة بشأن الغذاء والصحة والنظافة والرعاية الطبية والاتصال بالعائلة والمحاكمة والضمانات القانونية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق لسلطة الاحتلال أن تحتجز شخصا في الحالات التي يجيزها القانون؟ فهذه مسألة لها شروطها وإجراءاتها؛ وإنما السؤال أيضا: كيف يُعامل هذا الإنسان بعد احتجازه؟ وما الضمانات التي تمنع تحوّل الاحتجاز إلى تعذيب أو إذلال أو اختفاء أو عقوبة خارج القضاء؟

 

اتفاقيات جنيف.. الحماية في زمن الحرب والاحتلال

تحتل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 موقعا مركزيا في منظومة حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم أثناء النزاعات المسلحة. وتحدد اتفاقية جنيف الثالثة القواعد الخاصة بأسرى الحرب، وتنص على وجوب معاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأحوال. ويؤكد المبدأ الوارد في المادة 13 حظر الأفعال غير المشروعة التي تؤدي إلى الموت أو تعرّض الصحة للخطر، ويحظر العنف والتخويف والإهانات والمعاملة المهينة، كما يحظر اتخاذ إجراءات انتقامية ضد أسرى الحرب. وتكتسب المادة 17 أهمية خاصة لأنها تحظر التعذيب الجسدي أو النفسي وأي شكل آخر من أشكال الإكراه بهدف الحصول على المعلومات من أسير الحرب.

أما اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، فتقدم حماية واسعة للمدنيين في سياقات النزاع والاحتلال، ومن بينها قواعد مهمة تتصل بالاحتجاز. فالمادة 76 تنص، بالنسبة للأشخاص المحميين المتهمين بجرائم، على احتجازهم في البلد المحتل، وتوجب توفير شروط غذاء ونظافة كافية للحفاظ على صحتهم، والرعاية الطبية اللازمة، ومراعاة المعاملة الخاصة الواجبة للقاصرين، كما تقرر حق المحتجزين في زيارة مندوبي الدولة الحامية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وفق أحكام الاتفاقية.

وتتناول المادة 85 شروط الإقامة والنظافة، وتُلزم سلطة الاحتجاز باتخاذ التدابير اللازمة لضمان أماكن احتجاز تراعي الصحة والنظافة وتحمي المحتجزين من الظروف المناخية وآثار الحرب. كما تحظر المادة 118 من الاتفاقية أشكال القسوة دون استثناء، وتضع قواعد تتعلق بالعقوبات وظروف تنفيذها. وهنا تتضح قاعدة قانونية جوهرية: الاحتلال لا يعلّق القانون، والحرب لا تمنح سلطة الاحتجاز رخصة لإهدار الكرامة الإنسانية.

 

المادة الثالثة المشترك.. الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه

وتأتي المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لتقرر، في النزاعات المسلحة غير الدولية، حدا أدنى من المعاملة الإنسانية للأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم الأشخاص المحرومون من حريتهم. ويؤكد القانون الدولي الإنساني أن الأشخاص المحتجزين بسبب نزاع مسلح يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية، وأنهم محميون من القتل والتعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة. وهذا الحد الأدنى ليس ترفا أخلاقيا؛ إنه قيد قانوني على سلطة القوة.

 

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

ولا تقتصر الحماية على القانون الدولي الإنساني، فـالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضع بدوره مجموعة أساسية من الضمانات. فالمادة 7 تحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بينما تنص المادة 9 على حق كل إنسان في الحرية والأمان، وتحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وتشترط أن يكون الحرمان من الحرية مستندا إلى القانون وإجراءاته. كما تقرر حق المحتجز في معرفة أسباب توقيفه والتهم الموجهة إليه، وحقه في المثول سريعا أمام جهة قضائية، والطعن في قانونية احتجازه. أما المادة 10 فتقرر أن كل شخص محروم من حريته يجب أن يُعامل معاملة إنسانية، وبما يحترم الكرامة المتأصلة في الإنسان. وهذه قاعدة بالغة الأهمية: السجن نفسه هو الحرمان من الحرية؛ وليس من حق السلطة أن تضيف إلى هذا الحرمان إذلالا أو تعذيبا أو تجويعا أو إهمالا طبيا.

 

اتفاقية مناهضة التعذيب.. لا ظرف يبرر التعذيب

تأتي اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984 لتضع حظرا صارما على التعذيب. وتُلزم المادة 2 الدول باتخاذ تدابير تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها لمنع التعذيب، وتنص بصورة صريحة على أنه لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي، سواء أكان حالة حرب أو تهديدا بالحرب.. لتبرير التعذيب؛ كما لا يجوز اتخاذ أوامر الرئيس أو السلطة العامة ذريعة لتبريره. وهذه قاعدة ذات دلالة عميقة: الحرب لا تجعل التعذيب قانونيا..

 

الحماية من الإخفاء القسري

وعندما يُحتجز إنسان ولا يُكشف عن مكان وجوده أو يُنكر احتجازه أو تُحجب المعلومات المتعلقة بمصيره، تدخل القضية في نطاق شديد الخطورة من الحماية الدولية. فـالاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تنص في المادة 17 على أنه لا يجوز احتجاز أي شخص في مكان سري، وتوجب أن يتم الاحتجاز في أماكن رسمية معترف بها وخاضعة للإشراف، وتكفل حق المحتجز في الاتصال بأسرته ومحاميه، كما تلزم الدول بإنشاء سجلات رسمية محدثة للأشخاص المحرومين من حريتهم. ومن هنا يصبح الكشف عن مصير المعتقل جزءا من الحماية القانونية ذاتها، لا مجرد مطلب إنساني ثانوي. فالعائلة لا تطلب فضلا حين تسأل: أين ابننا؟ إنها تطلب حقا أساسيا في معرفة مصير إنسان حُرم من حريته.

 

قواعد نيلسون مانديلا.. السجن لا يلغي الكرامة

وتشكل قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة بـ”قواعد نيلسون مانديلا”، مرجعا دوليا مهما في تحديد المعايير الدنيا الواجب مراعاتها داخل أماكن الاحتجاز. وتؤكد القاعدة الأولى أن جميع السجناء يجب أن يُعاملوا بالاحترام الواجب لكرامتهم وقيمتهم المتأصلة كبشر، وأن يحظوا بالحماية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتتناول القواعد كذلك الغذاء ومياه الشرب، والتهوية والنظافة، والفراش، والرياضة، والرعاية الصحية.

وتقرر القاعدة 24 أن الرعاية الصحية للسجناء مسؤولية سلطة الاحتلال، وأن للسجناء الحق في مستوى من الرعاية الصحية يعادل المستوى المتاح في المجتمع، والحصول على الخدمات الطبية اللازمة دون تمييز بسبب وضعهم القانوني. إن معنى ذلك واضح: الجسد المحتجز ليس جسدا بلا حق في العلاج، والمرض داخل السجن ليس عقوبة إضافية، والطبيب ليس جزءا من منظومة العقاب، بل من منظومة حماية الحياة.

 

الأطفال الأسرى.. حماية مضاعفة

وتمنح اتفاقية حقوق الطفل الأطفال المحرومين من حريتهم حماية خاصة. فالمادة 37 تحظر التعذيب وغيره من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتحظر حرمان الطفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية، وتنص على أن احتجاز الطفل لا يجوز أن يكون إلا تدبيرا أخيرا ولأقصر فترة مناسبة، مع ضمانات خاصة لحقوقه القانونية والإنسانية. وهذا يعني أن الطفل المعتقل لا يجوز أن يُعامل باعتباره بالغا صغيرا؛ فالقانون الدولي يعترف بخصوصية مرحلته العمرية، وبحاجته إلى حماية وتعليم ورعاية واتصال بالأسرة وضمانات قضائية تتناسب مع سنه.

 

المرأة الأسيرة وخصوصية الحماية

كما تتضمن قواعد القانون الدولي الإنساني ومعايير الأمم المتحدة أحكاما خاصة بحماية النساء المحتجزات، سواء من حيث أماكن الاحتجاز أو الرعاية الصحية أو الحماية من العنف والاستغلال والإهانة. وتشير المادة 76 من اتفاقية جنيف الرابعة، مثلا، إلى ضرورة إيداع النساء في أماكن منفصلة عن الرجال وتحت إشراف نسائي مباشر، مع مراعاة المعاملة الخاصة الواجب توفيرها للقاصرين. وتزداد هذه الحماية أهمية في حالات الحمل والأمومة والمرض والإعاقة، وفي مواجهة أي شكل من أشكال العنف الجنسي أو الاستغلال أو الإذلال..

 

متى يتحول الانتهاك إلى جريمة دولية؟

لا تتوقف المسألة عند حدود المسؤولية الأخلاقية أو الإدارية، فـنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرّم، في سياقات محددة، أفعالا مثل التعذيب والاضطهاد والسجن أو الحرمان الشديد من الحرية بالمخالفة للقواعد الأساسية للقانون الدولي، كما يدرج التعذيب وغيره من الأفعال ضمن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية عندما تتحقق الشروط القانونية الخاصة بكل جريمة وسياقها. ويعرّف النظام التعذيب بأنه إلحاق ألم أو معاناة شديدة، جسدية أو نفسية، بصورة متعمدة بشخص تحت الحجز أو السيطرة.

ومن الضروري هنا التفريق بين الانتهاك والجريمة الدولية؛ فليس كل خرق لقاعدة قانونية يساوي تلقائيا جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، إذ تخضع هذه الأوصاف لشروط قانونية وسياقية دقيقة. لكن جسامة الانتهاكات واتساع نطاقها وتكرارها ومنهجيتها قد تفتح، وفق الوقائع والأدلة والقواعد المنطبقة، أبوابا مختلفة للمساءلة الدولية.

 

القانون الدولي حين يصطدم بجدار الإفلات من العقاب

تكمن المفارقة الكبرى في أن العالم لا يفتقر إلى النصوص، لدينا اتفاقيات جنيف، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وقواعد نيلسون مانديلا، وسلسلة واسعة من المبادئ والقواعد الدولية.

المشكلة الأكثر إيلاما تكمن في المسافة بين وجود القاعدة القانونية وقدرتها على الوصول إلى الضحية. فالقانون الذي لا يصل إلى الزنزانة في الوقت المناسب، ولا يمنع التعذيب قبل وقوعه، ولا يكشف مكان المختفي، ولا يوفر العلاج للمريض، ولا يضمن حق الدفاع، ولا يحقق في الموت داخل الاحتجاز، يبقى ناقص الفاعلية مهما كان بليغ النص. وهنا تصبح المساءلة ضرورة لا ترفا، فالتوثيق ليس أرشيفا للماضي فحسب؛ إنه مادة العدالة القادمة. والشهادة ليست بكاء على الورق؛ إنها دليل. واسم الأسير ليس رقما إحصائيا؛ إنه مفتاح للحقيقة.

ومن هذه الزاوية تكتسب المؤسسات الحقوقية، ومنها “نادي الأسير الفلسطيني”، أهمية تتجاوز تقديم المعلومات اليومية، لأن حفظ الوقائع والأسماء والتواريخ والشهادات والملفات الطبية والقانونية يساهم في بناء الذاكرة الحقوقية التي يمكن أن تستند إليها آليات المساءلة مستقبلا.

 

33 عاما ولا يزال الصوت صادحا

من رحم الحركة الأسيرة خرج نادي الأسير إلى الفضاء العام، ولذلك فإن تاريخه لا ينفصل عن تاريخ الأسرى أنفسهم. فالمؤسسة التي وُلدت من تجربة الأسر، وحملت هموم المعتقلين وعائلاتهم، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية أشد وطأة: كيف يمكن أن يبقى صوت المعتقل مسموعا حين تتسع المسافة بين الزنزانة والعالم؟ وكيف يمكن حماية الحقيقة عندما يصبح الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة؟ وكيف يمكن أن تتحول الشهادة إلى وثيقة، والوثيقة إلى مساءلة، والمساءلة إلى حماية فعلية؟ هذه ليست أسئلة مؤسسة واحدة، بل أسئلة النظام الدولي كله.

إن قضية الأسرى لا تحتاج إلى مزيد من التعاطف المجرد بقدر ما تحتاج إلى حماية قانونية فعلية، ومراقبة مستقلة، ووصول إلى أماكن الاحتجاز، ورعاية طبية، وضمانات قضائية، وكشف لمصير المختفين، وتحقيقات نزيهة، ومساءلة للمسؤولين عن الانتهاكات. فالحماية الحقيقية تبدأ حين يصبح القانون أقوى من الجدار الصهيوني.

 

الذاكرة في مواجهة المحو

قد يستطيع السجن أن يغلق الباب، لكنه لا يستطيع أن يغلق الذاكرة. وقد تستطيع الزنزانة أن تحجب وجه الأسير عن العالم، لكنها لا تستطيع أن تمحو اسمه من ذاكرة أهله. وقد تستطيع سلطة الاحتجاز أن تمنع الرسالة، لكن التاريخ يحتفظ دائما بما حاولت الجدران إخفاءه. لهذا فإن الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد دفاع عن أشخاص خلف القضبان؛ إنه دفاع عن مبدأ أوسع: أن الإنسان لا يفقد إنسانيته عندما يُحتجز، وأن القانون لا يتوقف عند عتبة السجن، وأن الكرامة لا تُصادر بموجب أمر اعتقال.

وفي الذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس جمعية “نادي الأسير الفلسطيني”، تبدو الرسالة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: أن تظل قضية الأسرى حاضرة في المجال الحقوقي والقانوني والإنساني، وأن تُحفظ أسماؤهم وشهاداتهم وتجاربهم، وأن تبقى الانتهاكات موضع توثيق وتحقيق ومساءلة، لا مادة للنسيان.

ثلاثة وثلاثون عاما من العمل تعني أن القضية لم تكن عابرة. وثلاثة وثلاثون عاما من الأسر تعني أن الحرية ليست كلمة تُقال في المناسبات. وثلاثة وثلاثون عاما من الذاكرة تعني أن الجدار، مهما ارتفع، لا يستطيع أن يكون قبرا للحقيقة.

إن الأسرى ليسوا خارج القانون الدولي، والزنزانة ليست أرضا بلا حقوق، والإنسان، حتى في أشد لحظات ضعفه، يبقى إنسانا. وهنا تحديدا يبدأ القانون الدولي، وهنا أيضا يُختبر ضمير العالم.

ثلاثة وثلاثون عاما.. وستبقى قضية الأسرى الفلسطينيين ذاكرة لا تُمحى، وحقوقا لا تسقط بالتقادم، وأسماء تنتظر أن تتحول من قوائم المعتقلين إلى قوائم الأحرار.. الحرية للأسرى والأسيرات والأطفال الفلسطينيين.