على امتداد ستة عقود، لم تكن علاقة الجزائر بالقضية الفلسطينية علاقة سياسية عابرة أو عبارة عاطفية تُطلق في خطابات المناسبات، بل كانت امتداداً عضوياً لروح ثورة نوفمبر التي آمنت بأن الحرية لا تتجزأ، وأن من ذاق مرارة الاستعمار لا يمكن إلا أن يقف مع كل شعب يناضل من أجل حقه في الحياة والكرامة. من هنا، تشكّل الموقف الجزائري من فلسطين: موقف ينهض على التاريخ، ويتحصّن بالشرعية، ويتغذّى من قناعة راسخة بأن فلسطين ليست ملفاً سياسياً بل قضية وطنية جزائرية بامتياز. ورغم وضوح هذا المسار، يخرج بين الحين والآخر صوت متحامل يحاول تشويه هذا الموقف أو التشكيك في عمقه، خاصة عندما تتمسك الجزائر بضرورة احترام الشرعية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. هؤلاء يدّعون أن هذا الموقف “لا يمثل الشريحة الواسعة من الفلسطينيين”، متجاهلين التاريخ، ومستخفين بالقانون، ومتناسين طبيعة الدولة الجزائرية التي لا تساوم على مبادئها. ومن الضروري، في مواجهة هذا التحامل، تقديم رد شامل يغوص في عمق الموضوع، ويرد علمياً وسياسياً وأخلاقياً على أصحاب هذا الادعاء، ويكشف زيف محاولات التلاعب بالقضية الفلسطينية وتحويلها إلى مساحة للصراع الحزبي والضغط على الدول الداعمة لها. فالجزائر حين تتمسك بمبدأ الشرعية الفلسطينية ليست تعامل فصائلياً، بل تتعامل بعمق الدولة التي تعرف أن التمثيل الرسمي هو صمام الأمان الأخير أمام تفكك القرار الفلسطيني وضياعه. فمنذ قمة الرباط 1974، اعترفت الأمة العربية كلها، ومعها المجتمع الدولي، بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. لم يكن ذلك مجاملة ولا خطوة دبلوماسية شكلية، بل اعترافاً بكيان وطني فلسطيني يمثل عمق النضال ويجمع كل الأطياف تحت سقف واحد. الجزائر، التي كانت من أكثر الدول مساهمة في هذا الاعتراف وداعمة له، لا يمكنها اليوم أن تلغي هذا التاريخ أو تتجاوز هذا الإجماع كي ترضي فصيلاً أو تنظيماً أو جهة تتحدث باسم الشعب الفلسطيني دون تفويض جامع أو إطار رسمي. إن الدولة التي خبرت معنى الشرعية عبر ثورتها لا يمكنها أن تعطي شرعية لغير الشرعي. ولذلك، فإن رفض الجزائر التعامل مع البيانات المجهولة أو الجهات غير المعترف بها ليس اصطفافاً ضد أحد، بل هو تمسك بقاعدة دولية تحمي الدول من التفكك وتحمي القضايا من الضياع. ففي عالم العلاقات الدولية، ليس كل من يرفع شعارات يمتلك تمثيلاً حقيقياً، وليس كل من يصدر بياناً يمكن التعامل معه ككيان سياسي. الجزائر دولة تمارس سيادتها، وتتعامل وفق قواعد واضحة: مؤسسات رسمية، شرعية معترف بها، تمثيل موحد. ومن هنا فإن كل محاولة لتحويل موقف الجزائر إلى “انحياز ضد طرف” ليست سوى محاولة رخيصة للتهرب من الحقيقة: الجزائر لا تدعم فصيلاً بل تدعم فلسطين نفسها. إن المتحاملين على الموقف الجزائري يتناسون أيضاً أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي حملت فلسطين في المحافل الدولية، وأنها لم تتردد يوماً في التصويت لصالحها، والدفاع عنها، والضغط من أجل قرارات توقف العدوان وتدين الاحتلال. في مجلس الأمن، وفي الأمم المتحدة، وفي الاتحاد الإفريقي، وفي قمة عدم الانحياز، كانت الجزائر الصوت الذي لم يتلعثم، والصورة التي لم تتغير، والموقف الذي لم يتبدل. والأهم من ذلك، أن هذا الدعم كان دائماً موجهاً للشعب الفلسطيني الذي يعيش الموت اليومي تحت القصف، لا نحو جهة سياسية تريد استثمار الدماء لرفع رصيدها التنظيمي. ولأن الجزائر لا تتعامل بمنطق الانفعال، فقد قدّمت دعماً عملياً ملموساً لا يمكن لأي جهة التشكيك فيه: من تدريب كوادر الثورة الفلسطينية في مدارسها العسكرية منذ الستينيات، إلى استقبال آلاف الطلبة الفلسطينيين في جامعاتها دون قيود أو شروط، إلى فتح المستشفيات أمام الجرحى، إلى إقامة جسور جوية إنسانية خلال حرب غزة. هذا الدعم لم يسأل يوماً: من أي تنظيم أنت؟ ولم يطلب بطاقة انتماء فصائلي. لأن الجزائر لا ترى الفلسطيني عبر عدسة الفصيل، بل عبر عدسة الإنسان الذي يناضل من أجل وطن سليب. وبالعودة إلى مزاعم “عدم تمثيل الشريحة الواسعة”، فإن هذه الدعوى لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي. فالشريحة الواسعة من الفلسطينيين، اليوم أكثر من أي وقت آخر، تبحث عن وقف القتل، وعن الحماية، وعن إعادة الإعمار، وعن الاعتراف بدولتهم، وعن حل سياسي يعيد لهم حقهم في الوجود. الشريحة الواسعة ليست الفصائل التي تتصارع على الخطاب، بل الشعب الذي يعيش تحت القصف ويقف في طوابير الخبز والماء والدواء. وهذا الشعب، بمختلف أطيافه، يدرك أن قوة تمثيله الخارجي لا تأتي من قوة الفصيل، بل من وحدة المرجعية. إن أي انقسام سياسي فلسطيني يتحول فوراً إلى ثغرة تستغلها إسرائيل لتبرير ضربها للشعب ورفضها لأي مفاوضات. وبالتالي، فإن الموقف الجزائري يحمي الفلسطينيين لا يقيّدهم؛ يضيف لهم قوة ولا يقتطع منهم شرعية. ومن جانب آخر، فإن الموقف الجزائري ليس معزولاً كما يروّج البعض، بل يأتي ضمن رؤية عربية شاملة تشترك فيها مصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات، وجميعها تدعم حل الدولتين وتؤكد على منظمة التحرير كمرجعية رسمية. هذا انسجام عربي واسع، وليس مبادرة جزائرية منفردة. فهل يُعقل أن كل هذا الإجماع خاطئ، وأن بعض البيانات الفصائلية أو التصريحات المنفعلة هي الحقيقة المطلقة؟ إن من يتهم الجزائر بأنها لا تدعم “الشريحة الواسعة” يتجاهل أن هذه الشريحة هي نفسها التي لا تجد في العالم من يدافع عنها اليوم سوى دول قليلة صادقة، والجزائر في مقدمتها. الجزائر التي طالبت بوقف فوري لإطلاق النار في غزة كانت تعبّر عن صوت الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفال تحت الركام، وعن صوت الطلاب الذين توقفت مدارسهم، وعن المرضى الذين يموتون بسبب انعدام الدواء. الجزائر كانت تتحدث بلغة الضحايا، وليس بلغة الحسابات السياسية. وفي الوقت الذي انقسمت فيه بعض الأطراف العربية بين صمت وخجل وتردد وضغوطات، كانت الجزائر صريحة، شجاعة، ثابتة. كانت تقول للعالم: الفلسطيني لا يحتاج إلى خطابات، بل إلى حماية. الفلسطيني لا يحتاج إلى تصعيد، بل إلى حياة. الفلسطيني لا يحتاج إلى بيانات حماسية، بل إلى دولة كاملة السيادة. وهذا بالضبط هو لبّ الرؤية الجزائرية: أن مستقبل فلسطين يُبنى بالدولة، لا بالفصائل؛ بالقانون الدولي، لا بالخطابات؛ بالإجماع العربي، لا بالانقسام؛ بالشرعية التي تعترف بها الأمم المتحدة، لا بالشرعيات الموازية التي تُصنَع في هوامش الصراع. أما ادعاء أن الجزائر “تقصي” أحداً فهو كذب صريح، لأن الجزائر لم تتدخل يوماً في الشأن الداخلي الفلسطيني، ولم تمِل كفة فصيل على آخر، ولم تدخل لعبة المحاور، ولم تحاول أن تستثمر في الانقسام. كانت دائماً تقول: نحن مع فلسطين كلها… مع غزة والضفة، مع القدس والناصرة، مع اللاجئ والمقاوم، مع الطفل قبل الفصائل، ومع الشهداء قبل السياسيين. والجزائر حين تتمسك بالشرعية الفلسطينية، فهي لا تتخندق وراء طرف، بل تحمي ما تبقى من وحدة الشعب، وتمنع تحويل فلسطين إلى ساحة صراع بين مشاريع سياسية متناقضة. إن من يريد أن يحتكر التمثيل، أو يسحب الشرعية من منظمة التحرير بالقوة، هو نفسه الذي يحاول تجريد الجزائر من موقفها الثابت. وهنا يكمن جوهر التحامل: ليس الهدف مهاجمة الجزائر بذاتها، بل الضغط عليها كي تغيّر مبدأها وتنساق خلف خطاب فصائلي لا يفيد أحداً سوى الاحتلال. إن الجزائر، بتاريخها وثورتها وأخلاقها السياسية، أكبر من أن تنجر وراء هذه اللعبة. فهي دولة بنت سياستها الخارجية على مبدأ ثابت: نحن مع الشعوب قبل الحكومات، ومع القضايا قبل الأشخاص، ومع التحرر قبل التوازنات. اليوم، عندما تتعرض فلسطين لأعنف عدوان في تاريخها، يقف البعض ليزايد على الجزائر ويتهمها بما لا يستقيم مع المنطق ولا مع الوقائع. لكن هذا التحامل يسقط أمام الحقيقة البسيطة: الجزائر لم تغيّر موقفها. الجزائر لا تساوم. الجزائر لا تتاجر بالقضية. الجزائر لا تبحث عن مكسب سياسي، ولا عن تأثير إقليمي، ولا عن نفوذ فصائلي. الجزائر تقف مع فلسطين لأنها فلسطين… لأنها جرح يشبه جرحها القديم… لأنها مرآة لتجربتها في مقاومة الاستعمار… لأنها قضية عادلة لا تقبل التأويل… لأنها قضية لا يمكن إلاّ أن تكون في قلب كل من آمن بالحرية. في النهاية، يمكن القول إن الموقف الجزائري ليس فقط موقف دولة، بل موقف وجدان، وتاريخ، وضمير. موقف يرفض أن تتحول فلسطين إلى ورقة في صراع إقليمي، ويرفض أن يُختزل الشعب الفلسطيني في فصائل تتصارع على تمثيله. الجزائر تعرف أن فلسطين أكبر من ذلك. تعرف أن الشعب الفلسطيني يستحق دولة كاملة السيادة، لا مشروعاً منقسماً. تعرف أن الشرعية الموحدة هي التي تمنح القوة أمام العالم. تعرف أن حماية القرار الفلسطيني واجب، وأن حماية فلسطين مسؤولية. ولهذا كله، سيظل الموقف الجزائري شوكة في حلق المزايدين، وسداً أمام التلاعب بالقضية، وصوتاً للحق في زمن تختلط فيه الأصوات. ستظل الجزائر مع فلسطين كما كانت منذ اليوم الأول: مع شعبها، مع حقوقها، مع دولتها المنتظرة، ومع نضالها المشروع… لا مع المزايدات، ولا مع من يحوّل الدم الفلسطيني إلى مادة للتنافس السياسي. هذا هو موقف الجزائر… وهذا ما لا يستطيع المتحاملون فهمه أو تحمل ثباته.





