رئيس المجلس الأكاديمي الفلسفي الفلسطيني – الجزائر
مفكّر وباحث في الفلسفة السياسية والقضية الفلسطينية
مدخل
لم تكن العقلانية في التجربة السياسية الفلسطينية انحرافاً عن الثوابت، ولا خروجاً عن روح النضال، بل كانت – في لحظة تاريخية بالغة التعقيد – ضرورة وجودية لحماية الكيان الوطني من السقوط النهائي. ومن هذا المنظور، تبرز تجربة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) بوصفها تجربة عقلانية عميقة، اشتغلت على إدارة الصراع لا الانتحار داخله، وعلى حراسة الفكرة الفلسطينية لا تبديدها في العنف غير المحسوب.
لقد تعرّض هذا النهج طويلاً لسوء الفهم، واتُّهم بالتفريط والتراجع، غير أن التحولات المتسارعة في بنية الصراع، وصعود اليمين الصهيوني الفاشي، كشفا أن ما بدا هدوءاً كان في حقيقته قوة بصيرة، وما وُصف بالتريث كان حساب وعي تاريخي.
العقلانية كمنهج سياسي
اعتمد الرئيس أبو مازن العقلانية بوصفها منهجاً في التفكير واتخاذ القرار، تقوم على استخدام المنطق والتحليل النقدي، وتقييم الأدلة والوقائع بعيداً عن الانفعال والشعارات. فالعقل – في هذه المقاربة – ليس خصماً للثوابت، بل أداتها الأكثر أماناً للحفاظ عليها.
لقد أدرك أن الوطن حقيقة أنطولوجية ثابتة، غير خاضعة لأهواء اللحظة ولا لاندفاعات العاطفة، وأن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراع نيات، بل صراع قوانين ومعادلات قوة وزمن ووعي.
العقل الأداتي: أداة الفهم لا أداة التفريط
يظهر فكر الرئيس أبو مازن متقاطعاً بعمق مع مفهوم العقل الأداتي كما صاغته مدرسة فرانكفورت، خاصة عند هوركهايمر. فالعقل الأداتي لا يسأل عن قيمة الهدف، بل عن أنجع الوسائل لتحقيقه. والهدف هنا لم يكن موضع مساومة:
الوطن، الدولة الفلسطينية، الكيان السياسي، وحراسة الذاكرة الوطنية للشهداء.
لقد استخدم أبو مازن هذا العقل لفهم:
طبيعة العقل الصهيوني
منطق اشتغاله المرحلي والاستراتيجي
آليات استدراجه للفلسطيني نحو العنف لتبرير الإلغاء
وحدود القوة الفلسطينية في ميزان مختل دولياً
ومن هنا، كان الهدوء تكتيكاً عقلانياً، لا انسحاباً، وكان ضبط الفعل السياسي حمايةً للشعب، لا تخلّياً عنه.
البصر والبصيرة: قراءة الواقع واستشراف مآلاته
تميّز نهج الرئيس أبو مازن بامتلاك البصر؛ أي قراءة الواقع كما هو، والبصيرة؛ أي استشراف ما سيؤول إليه. لقد فهم أن العنف غير المحسوب في مرحلة اختلال موازين القوى سيقود إلى كارثة وجودية، وأن الحفاظ على ما تبقى من الأرض والإنسان والاسم الفلسطيني هو شرط أي نصر مستقبلي.
وهنا تتجلى عقلانية البقاء، لا عقلانية الاستعراض.
بين مرحلتين: أبو عمار وأبو مازن
لا يمكن فهم تجربة أبو مازن دون إدراك الفارق التاريخي بين مرحلته ومرحلة الشهيد ياسر عرفات.
أبو عمار قاد مرحلة التفجير الثوري، وإعادة الشعب الفلسطيني إلى التاريخ والاعتراف بالوجود،
أما أبو مازن فقاد مرحلة منع شطب هذا الوجود، وحمايته من الإلغاء النهائي.
إن اختلاف الأدوات لا يعني اختلاف القضية، بل اختلاف شروطها التاريخية.
اليوم: انكشاف المشروع الصهيوني
مع صعود اليمين الصهيوني المتطرف بزعامة بن غفير وسموتريتش، وصدور قرارات الضم، تتعرّى فلسفة الإلغاء والإزاحة والتدمير الشامل لكل ما هو فلسطيني: أرضاً، ورمزاً، وذاكرة. وهنا تتأكد صحة التحذيرات التي انطلق منها أبو مازن، حين سعى إلى حرمان العدو من الذريعة الكاملة لممارسة الإبادة السياسية والوجودية.
لقد فهم المعادلة المختلة، وقاد شعبه نحو التهدئة لا خوفاً، بل حمايةً له من عنف الآخر غير المبرر.
حراسة الذاكرة وصناعة المستقبل
لم تكن عقلانية الرئيس أبو مازن قطيعة مع دم الشهداء، بل وفاءً لهم. فحراسة الذاكرة الوطنية لا تكون فقط بالسلاح، بل أيضاً بمنع شطب الاسم الفلسطيني من الجغرافيا السياسية، وبإبقاء القضية حيّة في الوعي الدولي.
لقد أدرك أن الهزيمة الحقيقية ليست خسارة معركة، بل سقوط الفكرة، والفكرة الفلسطينية لا تُهزم.
خاتمة
نعم، سيذهب اليمين الصهيوني المتطرف إلى مزابل التاريخ،
وستبقى فلسطين،
ويبقى الفكر الفلسطيني،
وسنصنع السلام…
السلام العادل،
السلام الأبدي،
سلام الكل.
كلنا الرئيس محمود عباس،
كلنا فلسفته العقلانية،
فلسفة البصر والبصيرة،
لأن الفكرة… لا تُهزم.





