جاري التحميل...

الرائد محمد عبيات… حين تصبح الوقفةُ وطنًا

بقلم: شادي عيّاد

ليس كلُّ مَن يرتدي البزّة العسكرية مطالبًا بإطلاق النار كي يثبت شجاعته. فأحيانًا، تكفي وقفةُ رجلٍ فلسطينيٍّ لتكشف الفرق بين مَن يقتحم الأرض بقوة السلاح، ومَن يقف عليها بكرامة الانتماء.

امس في رام الله، تقدّم الرائد محمد عبيات ضابط شرطة المرور الفلسطينية، إلى موقع قوة عسكرية إسرائيلية احتجزت مركبةً للشرطة خلال اقتحام المدينة. وقف بثباتٍ وعنفوان، مطالبًا بمغادرة المكان وإعادة المركبة، مؤديًا واجبه بشموخ رجلٍ يعرف قيمة مؤسسته ويتمسّك بحقها، ولا يسمح لسطوة السلاح أن تملي عليه واجبه.

لم يكن المشهد غريبًا عن تاريخ عائلة عبيات النضالي المشرف، فهذه عائلةٌ لها في الذاكرة الوطنية مكانتها، وفي سجل الانتماء والتضحيات صفحاتها المضيئة. ومحمد عبيات جسّد في موقفه صورة رجلٍ يعرف موقعه، ويحضر بثقة، ويفرض احترام واجبه بثباته وشموخه.

هذه رام الله، وهذا ضابطٌ شرطة فلسطينيٌّ عظيم، يواجه اقتحامًا عسكريًّا بإرادةٍ صلبة، وهذه شرطةٌ وطنية لا تستمد هيبتها من السلاح وحده، بل من شجاعة رجالها وإيمانهم بمسؤوليتهم.

ثم جاءت السخرية!

خرج بعض المتنمّرين من خلف شاشاتهم العفنة والممولة من اذناب الاحتلال، يختبرون بطولة الرجل بمقاييس لا يدفع ثمنها إلا الآخرون. أرادوا من شرطي المرور أن يفتح حربًا، ومن ضابطٍ يؤدي واجبه أن يتحوّل إلى جيش، ومن موقفٍ وطنيٍّ أن يصنعوا مادةً رخيصة للتندر.

الرائد محمد عبيات البطل يستحق الاعتزاز والتقدير. فقد أدّى واجبه بثباتٍ وعنفوان، وأثبت أن رجل الأمن الفلسطيني يستطيع أن يحضر في أصعب المواقف متمسّكًا بحق مؤسسته وكرامتها.

والقصة أبعد من ضابطٍ ومركبة شرطة. إنها جزء من مشهدٍ تصنعه حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، توسّع اقتحاماتها وانتهاكاتها، وتدفع نحو إشعال المواجهة، بما يخدم مخططات تهجير ما تبقى من أبناء شعبنا. ولن نمنحها ما تريد، ولن نساعدها على تحويل كل انتهاك إلى مواجهةٍ يدفع الفلسطيني وحده ثمنها. فالدم الفلسطيني ليس مادةً للمزايدة، وأرواح شعبنا ليست وقودًا للاستعراض السياسي.

فلسطين ليست ساحةً لمزايداتكم، وأرواح أبنائها ليست وقودًا لشعاراتكم. ومن أراد الدفاع عن شعبنا، فليدعم مؤسساته، وليطالب بحقوق الناس وكرامتهم، وليفهم أن الشجاعة ليست اندفاعًا أعمى، وأن المسؤولية تُقاس بحسن تقدير الموقف وصون المصالح الوطنية.

نحن لا نقدّس المؤسسات، ولا نمنح أحدًا حصانةً من النقد. لكننا نرفض أن يتحوّل النقد إلى شماتة، وأن يصبح التنمّر على رجال الأمن بطولةً زائفة. ومن يريد أجهزة أمنية أقوى، فليطالب بإنصاف منتسبيها، وانتظام رواتبهم، وتوفير الإمكانات التي تليق بحجم مسؤولياتهم، لا أن ينتقص من رجالٍ يؤدون واجبهم في ظروفٍ بالغة القسوة.

وتحية اعتزازٍ ووفاء إلى جميع منتسبي أجهزتنا الأمنية الفلسطينية البواسل، ضباطًا وضباط صفٍّ وأفرادًا. إلى الذين يسهرون على أمن الناس، ويحفظون النظام العام، ويواصلون أداء واجبهم رغم تأخر الرواتب وضيق الحال. إنهم أبناء هذا الشعب، يحملون مسؤولية الوطن بشرف، ويستحقون الإنصاف والاحترام، لا أن تكون تضحياتهم موضعًا للتنمّر أو المزايدة.

الرائد محمد عبيات العزيز، لك الاعتزاز والفخر ولعائلة عبيات صاحبة التاريخ النضالي المشرف كل التقدير. لقد كان موقفك عنوانًا لحضور رجل الأمن الفلسطيني في موقع المسؤولية ثابتًا، واثقًا، متمسّكًا بحق مؤسسته، ومعبّرًا عن شموخ رجالٍ يعرفون معنى الانتماء الوطني.

سنختلف في السياسة، وننتقد أداء المؤسسات حين يستوجب الأمر، لكننا لن نقبل أن تصبح كرامة رجالنا مادةً للسخرية، أو أن يُختزل معنى الشجاعة في إطلاق النار العبثي.

سلامٌ عليك محمد عبيات، وسلامٌ على عائلة عبيات، وسلامٌ على رجال أجهزتنا الأمنية الفلسطينية الذين يحملون أمانة الواجب في وطنٍ يواجه الاحتلال كل يوم.

فالشجاعة ليست دائمًا أن تطلق النار إنما الشجاعة أن تقف بثبات، وتتمسّك بحقك، وتؤدي واجبك بشموخ، وتحمي شعبك دون أن تدفعه إلى هاويةٍ جديدة.

هيبة فلسطين يصونها رجالها، وتبنيها مؤسساتها، ويحرسها وعي شعبها. وستبقى أكبر من كل اقتحام، وأرسخ من كل تنمّر، وأعلى من كل محاولةٍ للانتقاص من كرامة رجالها.

بقلم: شادي عيّاد