بدا مشهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يستعرض في حديقة البيت الأبيض أمراً تنفيذياً يفرض بموجبه رسوماً جمركية غير مسبوقة على واردات بلاده من دول العالم موحياً بنهاية عصر كامل -تجارياً واستراتيجياً- في العلاقات الدولية.
تكاد تؤسس الرسوم الجمركية، التي شملت الحلفاء والخصوم على حد سواء، لقطيعة شبه كاملة مع إرث ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي خرجت الولايات المتحدة من تحت أنقاضها قوة عظمى تقود تحالفاً غربياً واسعاً على جانبي المحيط الأطلسي في مواجهة تحالف آخر يقوده الاتحاد السوفييتي.
في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989 انهار جدار برلين وبدأ السقوط السريع للاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وذراعها العسكرية حلف «وارسو» الذي كان يقابل حلف «الناتو».
في شريط سينمائي ألماني أنتج عام 2003 باسم «وداعاً لينين» لخّص مشهداً واحداً تراجيدياً ما جرى بعد انهيار الجدار.
كانت هناك مروحية تحلّق فوق برلين متدلياً منها بحبال من صلب تمثال ضخم لزعيم الثورة البلشفية ومفكرها الأكبر فلاديمير لينين، بينما ناشطة في الحزب الشيوعي الألماني تؤمن بأفكاره ترقب المشهد غير مصدقة.
مالت المروحية قليلاً فبدت حركة التمثال كأن لينين يمد يده للناشطة الألمانية المصدومة بالمصافحة الأخيرة.
أراد الشريط السينمائي أن يقول إن كل شيء قد انتهى. إثر انهيار القوة العظمى السوفييتية طُرح سؤال: هل تنتظر القوة العظمى الأمريكية مصيراً مماثلاً؟
استبعد فرانسيس فوكوياما بأطروحته «نهاية التاريخ» السؤال بحمولاته الاستراتيجية، فالتاريخ قال كلمته الأخيرة، بعدما وصل إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان.
بقوة الحقائق تراجعت مقولات فوكوياما إلى الهامش وتبدد مفعولها بعدما استغرقت سجالات ونقاشات لوقت طويل نسبياً.
بعد نهاية الحرب الباردة أعادت أزمات النظام الدولي طرح السؤال حتى وصلنا إلى أزمة الرسوم الجمركية.
يردد صحفيون ومفكرون أمريكيون الآن بصيغ عديدة: «وداعاً لأمريكا التي نعرفها».. إنه انقلاب استراتيجي كامل على إرث ثمانية عقود تلت الحرب العالمية الثانية.
كان هاري ترومان، الذي صعد للبيت الأبيض من موقع نائب الرئيس إثر وفاة فرانكلين روزفلت قبيل انتهاء الحرب، أول من أسس للقوة الأمريكية في بنية نظام دولي جديد تنازعت القوة فيه مع الاتحاد السوفييتي.
ضرب هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية لتسريع إنهاء الحرب كانت تلك جريمة تاريخية لا تغتفر لترهيب العالم بأسره.. غير أن حصول الاتحاد السوفييتي على الرادع النووي صاغ معادلات جديدة في موازين القوى بين المعسكرين المتضادين.
أطلق ترومان «مشروع مارشال» لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب، لم يكن ذلك عملاً خيرياً بقدر ما كان لازماً لاستيفاء مقومات القيادة، وهو ما يغيب عن إدراك ترامب.
أشرف على إنشاء «حلف الناتو» كذراع عسكرية للتحالف الغربي، الذي يضيق به ترامب بذريعة أعبائه المالية على الموازنة الأمريكية.
مقارباته تنزع عن أمريكا أسس صعودها، فيما يردد من دون كلل:«لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»!
بتشبيه لافت للكاتب توماس فريدمان في ال«نيويورك تايمز» فإن: «أمريكا أصبحت عظيمة بسبب الأشياء التي يكرهها ترامب».
يصعب حصر التفاعلات في حدودها التجارية ومدى تأثيرها على الاقتصادات الدولية. المسألة في صميمها تتعلق بمستقبل القوة الأمريكية ومستقبل النظام الدولي نفسه.
هذه لحظة انكسار فادحة لأي قوة معنوية، أو سياسية منسوبة للولايات المتحدة.
بدا تبادل الاتهامات الحادة بين الحلفاء المفترضين مؤشراً على قرب انفضاض الشراكة التاريخية عبر ضفتي الأطلسي بين الولايات المتحدة والقارة الأوروبية.
أوروبا تبحث بجدية عن وحدة موقف في وجه الرسوم الأمريكية، تتصدرها فرنسا وألمانيا.. ودول حليفة أخرى اعتبرت الرسوم الأمريكية عملاً عدائياً يستدعي الرد بالمثل.
أطلق ترامب على اليوم الذي أعلن فيه الارتفاعات غير المسبوقة في الرسوم الجمركية «يوم التحرير» قاصداً تحرير الاقتصاد الأمريكي من البضائع الأجنبية!.. من دون أن يدرك مغبتها على مستقبل الاقتصاد الأمريكي نفسه.
في يوم واحد خسرت الأسهم الأمريكية أكثر من تريليوني دولار، وعانت البورصات العالمية خسائر تاريخية فادحة.
بتحذير مسبق كتب فريدمان: «إذا قمت بتدمير النظام العالمي فجأة من دون خطة واضحة باستثناء انتقام اليمين المتطرف، فاستعد لرؤية ما يحدث للجميع».
بمصادفات التوقيت تماهى ترامب في تضامنه مع زعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبان إلى حد اعتبار الأحكام القضائية التي تمنعها من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة تماثل ما تعرض له من ملاحقات عليها قرائن وأدلة.
ثم كان إقدام رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بذريعة أنها «مسيسة» و«معادية للسامية» تعبيراً آخر عن وحدة اليمين المتطرف في أمريكا وإسرائيل وفرنسا والمجر في لحظة تاريخية واحدة.
أسوأ ما يعلق الآن بصورة الولايات المتحدة أن رئيسها أصبح زعيماً لليمين المتطرف، لا للعالم الحر حسب التوصيفات القديمة.
خشية أن تفضي ردات الفعل الاقتصادية والسياسية إلى الإضرار الفادح بالمصالح الأمريكية دعا وزير الخزانة سكوت بيسنت عبر محطة «سي. إن. إن»: «اهدأوا وخذوا نفساً عميقاً، ودعونا نرى إلى أين تتجه الأمور لأن الرد الانتقامي سيؤدي إلى التصعيد».
إنها محاولة لامتصاص الغضب المتصاعد في أنحاء العالم، وإبداء نوع من الاستعداد للتفاوض والتراجع كما اعتادت «الترامبية المتهورة» عندما تواجه بالردع لا الإذعان.
الخليج