المشكلة في الطريقة التي ينظر بها كثيرون إلى الحروب، أنهم ينظرون إليها كما لو كانت مباراة ملاكمة: ضربات متبادلة، من ينتصر في الجولة، من يخسر، ومتى تنتهي المباراة. لكن في الواقع، الحروب الكبرى لا تُدار بهذه الطريقة، بل تُدار أقرب إلى لعبة شطرنج طويلة ومعقدة، حيث الهدف ليس كسرالقطع فقط، بل إدارة الرقعة نفسها، والتحكم في حركة الخصم، ودفعه تدريجيا إلى مساحة لا يملك فيها أي حركة مريحة. اللاعب المحترف في الشطرنج لا يسأل نفسه: كيف أهاجم الآن؟ بل يسأل: كيف أعيد ترتيب الرقعة بحيث يصبح خصمي محاصرا بخيارات سيئة، أي حركة يقوم بها ستقوده إلى خسارة لاحقة. هنا جوهر الاستراتيجية، ليس في الضربة المباشرة، بل في هندسة المجال الذي سيتحرك فيه الخصم.
بهذا المعنى، يمكن فهم الكثير مما يحدث في الحروب الحديثة، وخاصة في الشرق الأوسط. الحرب ليست دائما بهدف تدمير الخصم أو إسقاط النظام أو احتلال الأرض، بل أحيانا الهدف هو دفع الخصم إلى العيش داخل نظام سياسي واقتصادي وأمني يخدم مصالح الطرف الأقوى. أي أن النصر الحقيقي ليس أن تهزم عدوك في المعركة، بل أن تجعله يعيش داخل قواعد اللعبة التي وضعتها أنت، وأن يتخذ قراراته ضمن حدود رسمتها أنت مسبقا.
لهذا، من ينتظر متى تنتهي الحرب، غالبا ما يراقب الأمر الخطأ. السؤال ليس متى تنتهي الحرب، بل ماذا سيتغيربعد الحرب. الحروب الكبرى تاريخيا كانت دائما وسيلة لإعادة ترتيب العالم، لا مجرد صراع عسكري. الحرب العالمية الأولى لم تكن فقط حرب جيوش، بل كانت نهاية إمبراطوريات وبداية دول جديدة. الحرب العالمية الثانية لم تكن فقط هزيمة ألمانيا واليابان، بل كانت بداية النظام الدولي الجديد، الأمم المتحدة، الحرب الباردة، وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى. أي أن الحرب كانت أداة لإعادة تشكيل النظام العالمي، وليس مجرد معركة عسكرية.
إذا طبقنا هذا المنطق على ما يحدث اليوم في الخليج والشرق الأوسط، سنرى أن المسألة ليست مجرد مواجهة عسكرية مع إيران، أو صراع نفوذ تقليدي، بل محاولة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة نفسها. وقد قيل هذا الكلام صراحة منذ سنوات تحت عنوان “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”. كثيرون كانوا يظنون أن هذا مجرد خطاب سياسي، لكن ما يحدث على الأرض يشير إلى أن الفكرة لم تختف، بل يتم تنفيذها ببطء وبأدوات متعددة: حروب، عقوبات، أزمات اقتصادية، تحالفات جديدة، اتفاقيات تطبيع، وإعادة توزيع أدوار الدول.
خذ مثال مضيق هرمز. المضيق قبل أي حرب لم يكن مغلقا أصلا، وكانت السفن تمر بشكل طبيعي. لكن الخطاب السياسي والإعلامي أصبح يتحدث عن “ضرورة فتح مضيق هرمز” و”ضمان حرية الملاحة”. هنا نحن لا نتحدث فقط عن فتح شيء مغلق، بل عن إعادة تعريف القاعدة نفسها. عندما تتحول حرية الملاحة من واقع قائم إلى مطلب سياسي وعسكري، فهذا يعني أن هناك محاولة لوضع نظام جديد لإدارة هذا الممر الحيوي، وربما وجود ترتيبات أمنية وعسكرية دائمة تحت هذا العنوان. أي أن القضية ليست المضيق بحد ذاته، بل من يضع قواعد الأمن فيه، ومن يملك حق مراقبته، ومن يحدد ما هو التهديد وما هو ليس تهديدا.
هذه الطريقة في التفكير هي جوهر الاستراتيجية: تغيير اللعبة، ثم تغيير شروط اللعبة، ثم دفع الخصم للقبول باللعب داخل الإطار الجديد. في النهاية، قد تجد أن الحرب توقفت، لكن المنطقة لم تعد كما كانت قبل الحرب. التحالفات تغيرت، موازين القوة تغيرت، الاقتصاد تغير، وحتى المفاهيم السياسية والأمنية تغيرت.
وهذا يظهر أيضا في الشروط التي تطرح عادة لوقف الحروب. في كثير من الأحيان، لا يطرح وقف الحرب على أساس العودة إلى الوضع السابق، بل على أساس ترتيبات جديدة: مناطق منزوعة السلاح، مراقبة دولية، اتفاقيات أمنية، قيود على برامج تسلح، ترتيبات اقتصادية، ممرات تجارية، أو إعادة هيكلة ديون واقتصاد. أي أن وقف الحرب لا يكون نهاية الصراع، بل بداية نظام جديد تم فرضه نتيجة الحرب.
في هذا السياق، يصبح موت الملك على رقعة الشطرنج الـ “كشملك” الحقيقي في الحروب الحديثة ليس عسكريا فقط، بل اقتصاديا وماليا ولوجستيا. من يسيطر على الطاقة، من يعيد توزيع النفوذ المالي، من يضبط التحالفات، من يتحكم بسلاسل الإمداد، من يسيطر على الممرات البحرية، من يتحكم بالتكنولوجيا والأنظمة المصرفية والعقوبات، هذا هو اللاعب الذي يدير الرقعة فعليا. قد ترى صواريخ وطائرات، لكن خلفها هناك خرائط أنابيب غاز، طرق تجارة، موانئ، قواعد عسكرية، شبكات اتصالات، ونظم مالية.
في العالم الحديث، الاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد أصبحت أهم من احتلال الأرض في كثير من الأحيان. دولة يمكن أن تُخنق اقتصاديا دون احتلالها عسكريا، ويمكن أن تُجبر على تغيير سياساتها بسبب عملتها أو صادراتها أو استيرادها أو نظامها المصرفي. لذلك، عندما ننظر إلى أي حرب اليوم فقط من زاوية المعركة العسكرية، فنحن نرى جزءا صغيرا من الصورة، وربما أقل الأجزاء أهمية.
الحروب الحديثة تُخاض على عدة مستويات في نفس الوقت: عسكري، اقتصادي، إعلامي، تكنولوجي، مالي، دبلوماسي. وقد تخسر دولة معركة عسكرية لكنها تربح اقتصاديا أو سياسيا، وقد تنتصر عسكريا لكنها تُستنزف اقتصاديا فتخسر على المدى الطويل. لذلك، السؤال الحقيقي في أي صراع ليس: من ربح المعركة؟ بل من سيكتب القواعد بعد انتهاء القتال؟
وإذا نظرنا للحرب كمعركة، سنظل نسأل: متى تنتهي الحرب؟ من انتصر؟ كم عدد الصواريخ؟ كم عدد القتلى؟ لكن إذا نظرنا للحرب كلعبة شطرنج، سنسأل أسئلة مختلفة تماما: من يغير القواعد في المنطقة؟ من يعيد ترتيب التحالفات؟ من يسيطر على الطاقة؟ من يسيطر على الممرات البحرية؟ من يحدد النظام المالي؟ من يحدد من هو العدو ومن هو الحليف؟ من يضع الخطوط الحمراء الجديدة؟
في الشطرنج، أحيانا تخسر قطعة لتربح المباراة. وأحيانا تسمح لخصمك أن يتقدم ليصبح مكشوفا أكثر. وأحيانا لا تهاجم أبدا، فقط تعيد ترتيب قطعك حتى يجد خصمك نفسه بلا حركات مفيدة. السياسة الدولية كثيرا ما تعمل بهذه الطريقة. ليس كل ما يبدو تراجعا هو هزيمة، وليس كل ما يبدو انتصارا هو انتصار حقيقي. الأهم هو شكل الرقعة في النهاية، وليس عدد الضربات أثناء اللعب.
لهذا، ربما السؤال الصحيح اليوم ليس متى تنتهي الحرب في المنطقة، بل كيف ستنتهي، وبأي نظام جديد، وبأي تحالفات، وبأي خرائط نفوذ، وبأي نظام اقتصادي وأمني. لأن الحروب الكبيرة لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار فقط، بل تنتهي عندما تستقر القواعد الجديدة التي فُرضت نتيجة الحرب، وعندما يبدأ الجميع بالتصرف على أساس أن هذا هو الواقع الجديد.
ويمكن القول إن من يفهم الحرب كمعركة سيراقب الصواريخ والطائرات والدبابات، أما من يفهمها كشطرنج فسيراقب الموانئ، وخطوط الغاز، والتحالفات، والديون، والاتفاقيات، والقواعد العسكرية، والممرات البحرية، والعملات، وسلاسل الإمداد. الأول يرى الضجيج، والثاني يرى النظام الذي يتشكل تحت هذا الضجيج. وفي السياسة، غالبا ما يكون النظام الذي يتشكل بصمت أهم بكثير من الضجيج الذي يملأ الأخبار كل يوم.
عن موقع وطن







