السردية الصهيونية والسردية الفلسطينية: تفكيك الهيمنة وإعادة بناء المعنى

بقلم الدكتور صالح الشقباوي

دراسة أكاديمية محكّمة

أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماعية
جامعة الجزائر 2

ملخص (Abstract)

تتناول هذه الدراسة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بوصفه صراعاً سردياً ومعرفياً على المعنى والتاريخ والوجود، لا مجرد صراع جغرافي أو عسكري. وتركّز على تفكيك السردية الصهيونية باعتبارها خطاباً استعمارياً وظّف التاريخ والدين والمعرفة لإنتاج شرعية الاحتلال، مقابل إبراز السردية الفلسطينية بوصفها سردية تحررية تؤكد عدم قابلية الشعب الفلسطيني للاستعمار، وقدرته على إنتاج روايته الذاتية المستقلة. تعتمد الدراسة منهجاً فلسفياً–نقدياً وتحليلاً تاريخياً–معرفياً، وتسعى إلى إعادة قراءة التاريخ من منظور فلسطيني يواجه الهيمنة المعرفية الصهيونية.

الكلمات المفتاحية: السردية، الصهيونية، فلسطين، الهيمنة المعرفية، الاستعمار، الذاكرة، الاستقلال السياسي.

المقدمة

يشكّل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أحد أكثر الصراعات تعقيداً في التاريخ المعاصر، ليس فقط بسبب امتداداته السياسية والعسكرية، بل بسبب عمقه المعرفي والسردي. فالصهيونية لم تكتفِ بفرض سيطرتها بالقوة، بل سعت إلى احتلال الماضي وإعادة صياغته، وإنتاج خطاب معرفي يجعل من وجودها محور التاريخ والحضارة والخلاص. في المقابل، واجهت السردية الفلسطينية هذا المشروع بمحاولات دؤوبة للحفاظ على الذاكرة الوطنية، وإعادة الاعتبار للتجربة التاريخية والنضالية للشعب الفلسطيني.

أولاً: السردية الصهيونية والهيمنة على التاريخ

لم تكن السردية الصهيونية قراءة محايدة للتاريخ، بل جاءت بوصفها مشروعاً أيديولوجياً استعمارياً استخدم النصوص التوراتية–التلمودية لإنتاج شرعية سياسية للاحتلال. وقد جرى تحويل الأسطورة الدينية إلى «تاريخ مُقدّس»، والتاريخ إلى حق حصري، في عملية يمكن توصيفها بما يسميه ميشيل فوكو «إنتاج المعرفة بوصفها شكلاً من أشكال السلطة»¹.

سعت الصهيونية إلى إعادة تفسير الماضي الفلسطيني كاملاً، عبر محو حضوره الاجتماعي والإنساني، وتصوير فلسطين كأرض بلا شعب، أو كشعب بلا تاريخ فاعل. وبهذا المعنى، أصبحت المعرفة أداة مركزية في خدمة المشروع الاستيطاني.

ثانياً: بناء صورة الذات والآخر

أسست السردية الصهيونية ثنائية معرفية حادة: ذات يهودية متحضرة، عقلانية، قادرة على قيادة التاريخ، في مقابل ذات فلسطينية مصوَّرة كذات متخلفة، عاجزة عن فهم منطق التاريخ وآلياته. هذه الثنائية شكّلت الأساس الأخلاقي والسياسي لتبرير الاقتلاع والتشريد، وهي تندرج ضمن ما وصفه إدوارد سعيد بـ«الاستشراق» بوصفه خطاباً يشرعن الهيمنة عبر تشويه صورة الآخر².

ثالثاً: الاقتلاع والنفي بوصفهما ممارسة سردية

لم يكن تهجير الشعب الفلسطيني حدثاً عارضاً، بل جزءاً بنيوياً من السردية الصهيونية. فالاقتلاع الجغرافي رافقه اقتلاع رمزي ومعرفي، تمثل في تهميش التجربة الوطنية الفلسطينية وإقصائها من التاريخ الرسمي. وقد جرى تقديم الفلسطيني إما كغائب، أو كعقبة أمام مشروع خلاص استعماري مزعوم.

رابعاً: نفي قابلية الاستعمار وإثبات قابلية الاستقلال

تؤكد السردية الفلسطينية، انطلاقاً من الوقائع التاريخية، أن الشعب الفلسطيني لم يكن يوماً قابلاً للاستعمار. فمنذ ثورة البراق عام 1929، مروراً بكل أشكال المقاومة، عبّر الفلسطيني عن وعي مبكر بعدم شرعية المشروع الصهيوني. ويتقاطع هذا مع أطروحات فرانز فانون حول الشعوب المستعمَرة التي ترفض الهيمنة بوصفها نفيًا لإنسانيتها³.

خامساً: فشل الاحتلال في استعمار الذات الفلسطينية

رغم نجاح الاحتلال في فرض سيطرته العسكرية، إلا أنه فشل في استعمار الذات الفلسطينية من الداخل. لم يتمكن من كسر الروح الفلسطينية أو تحويلها إلى ذات متماهية مع سرديته. ويظهر ذلك جلياً في نماذج الصمود والمقاومة، خصوصاً في غزة، حيث أثبت الفلسطيني أن فائض القوة لا يعني فائض الشرعية ولا القدرة على إخضاع الإرادة.

سادساً: إنتاج السردية الفلسطينية كشرط للتحرر

إن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق دون امتلاك القدرة على إنتاج سردية ذاتية مستقلة. فالسردية الفلسطينية ليست مجرد رد فعل على السردية الصهيونية، بل مشروع معرفي تحرري يعيد قراءة التاريخ من منظور فلسطيني، ويفكك المتخيل الاستعماري، ويتحرر من التماثلات التي فرضها خطاب الاحتلال.

سابعاً: النقد الذاتي وإعادة بناء الوعي

لا تكتمل عملية التحرر المعرفي دون ممارسة نقد ذاتي شجاع، يعترف بتغلغل المتخيل الصهيوني في بعض جوانب الوعي الوطني والمؤسسات التعليمية. فالتفكيك الحقيقي يطال خطاب الآخر، كما يطال آثاره في داخلنا، بهدف بناء وعي تحرري مستقل.

الخاتمة

يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن الصراع على فلسطين هو صراع على المعنى بقدر ما هو صراع على المكان. وتمتلك السردية الفلسطينية، بوصفها سردية غير مهمشة، القدرة على تفكيك السردية الصهيونية ونفي ادعاءاتها، وإعادة التاريخ إلى أصحابه. إن امتلاك الفلسطيني لسرديته الذاتية هو التعبير الأعمق عن قابليته للتحرر والاستقلال.

الهوامش والمراجع

1. فوكو، ميشيل. المعرفة والسلطة. ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1987.

2. سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1981.

3. فانون، فرانز. معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي، دار الفارابي، بيروت، 2004.

4. خالدي، رشيد. الهوية الفلسطينية: بناء الوعي القومي الحديث. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1997.

5. بابيه، إيلان. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة: أحمد خليفة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2008.

6. مصالحة، نور. طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير في الفكر الصهيوني. مؤسسة الدراسات الفلسطينية،