بقلم: د. صالح الشقباوي
ليس المقصود بسقوط نتنياهو سقوط شخص من موقع رئاسة الحكومة الإسرائيلية فحسب، وإنما سقوط منظومة سياسية وفكرية جعلت من الحرب وسيلة دائمة لإدارة الصراع، ومن الخوف الإسرائيلي مبرراً لاستمرار الاحتلال والاستيطان ورفض قيام الدولة الفلسطينية.
إن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط يحتاج إلى لحظة سياسية جديدة، وقد تبدأ هذه اللحظة بانتهاء عهد بنيامين نتنياهو، الذي أصبح، في نظر كثير من القوى الإقليمية والدولية، جزءاً من مشكلة السلام أكثر مما هو جزء من حلها.
فالمفارقة واضحة: بينما يجري العمل على تثبيت وقف إطلاق النار ووضع خارطة طريق لغزة، ما زال نتنياهو يصر على أن الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يبدأ قبل نزع سلاح حماس بالكامل، الأمر الذي يصطدم بالمسار الدولي الذي يحاول بناء تسوية متدرجة.
وقد حذرت الأمم المتحدة اليوم من هشاشة وقف إطلاق النار، ودعت إلى تنفيذ خارطة الطريق التي تشمل نزع سلاح الفصائل، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، ونشر قوة استقرار دولية، ونقل إدارة غزة إلى هيئة فلسطينية انتقالية، بالتوازي مع فتح أفق سياسي يقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين.
من هنا يمكن القول إن سقوط نتنياهو السياسي قد يكون شرطاً مهماً لفتح الباب أمام إسرائيل جديدة؛ إسرائيل تتعامل مع الفلسطيني باعتباره شريكاً سياسياً لا عدواً أبدياً، ومع الدول العربية باعتبارها فضاءً إقليمياً يمكن بناء الأمن المشترك فيه، ومع المجتمع الدولي باعتباره شريكاً في صناعة السلام لا مجرد مصدر للدعم العسكري والسياسي.
لكن سقوط نتنياهو وحده لا يكفي.
فالمطلوب بعده هو سقوط العقيدة السياسية التي أنتجت نتنياهو: عقيدة الاستيطان، ورفض الدولة الفلسطينية، وتكريس الاحتلال، وتحويل القوة العسكرية إلى بديل عن السياسة.
إن السلام لا يمكن أن يولد من استمرار الاحتلال، ولا يمكن للأمن الإسرائيلي أن يستقر فوق أنقاض الأمن الفلسطيني. وهذه هي الحقيقة التي بدأت تفرض نفسها بصورة متزايدة على النقاش الدولي.
ولذلك فإن المعادلة المستقبلية، في تقديري، يجب أن تكون:
سقوط نتنياهو → تغيير الحكومة الإسرائيلية → وقف الحرب → إنهاء الاحتلال → قيام الدولة الفلسطينية → ضمان أمن إسرائيل وفلسطين معاً → بناء نظام إقليمي جديد للسلام.
إن إسرائيل لن تصبح أكثر أمناً بالحرب الدائمة، كما أن فلسطين لن تصبح حرة بالمقاومة وحدها. الأمن يحتاج إلى سلام، والسلام يحتاج إلى عدالة، والعدالة تحتاج إلى إنهاء الاحتلال.
ولهذا أقول:
السلام في المنطقة قد يبدأ يوم يسقط نتنياهو، لكنه لن يكتمل إلا يوم تسقط معه فلسفة الحرب الدائمة، ويولد في إسرائيل تيار سياسي جديد يعترف بأن وجود دولة فلسطينية مستقلة ليس تهديداً لإسرائيل، بل أحد شروط بقائها الآمن والمستقر.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2