السوريون بصوت واحد: “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”

علي قاسم - العرب اللندنية

“هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، عبارة قالها المواطن التونس أحمد الحفناوي، يوم 15 يناير (كانون الثاني) 2011 في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، بعد يوم واحد من سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي وهروبه خارج البلاد.لتصبح شعاراً للأمل والصبر الطويل. واليوم، في 18 يناير 2026، تبدو سوريا وكأنها تعيش لحظة مشابهة، حين وقع الرئيس أحمد الشرع اتفاقاً مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يفتح الباب أمام وقف إطلاق النار وإعادة سلطة الدولة إلى مناطق كانت خارج سيطرتها. إنها لحظة تحمل بذور التحول من زمن الحرب والانقسام إلى زمن الوحدة والتضامن، وتطرح السؤال الكبير: هل تكون هذه بداية سوريا الجديدة التي تتسع للجميع؟

الاتفاق ينص على وقف إطلاق النار، دمج القوات الكردية في الجيش الوطني، وإدارة مشتركة للموارد النفطية والغازية في المناطق الشرقية، في خطوة تهدف إلى إعادة سلطة الدولة إلى مناطق كانت خارج سيطرتها منذ سنوات. هذا الاتفاق ليس مجرد تسوية عسكرية مؤقتة بين دمشق وقسد، بل هو رمز لإمكانية إعادة بناء سوريا كدولة جامعة لكل أبنائها، بعيداً عن الإقصاء والانقسامات التي مزقت النسيج الوطني خلال سنوات الحرب. في رأيي، يمثل هذا الاتفاق فرصة نادرة لسوريا للخروج من دوامة الصراع، حيث يفتح الباب أمام تضامن وطني شامل يجمع كل المكونات السورية، من الكرد في الشرق إلى الدروز في الجنوب والعلويين في الساحل، لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه اليوم: كيف يمكن لهذه الخطوة أن تتحول إلى بداية لمسار وطني يضم الجميع، أم أنها ستبقى مجرد اتفاق جزئي يعيد إنتاج التوترات القديمة إذا لم يُتبع بجهود شاملة لإعادة بناء الثقة؟

يأتي الاتفاق كفرصة ذهبية لإعادة بناء الثقة بين المكونات السورية، بعد سنوات من الشكوك والمخاوف التي غذتها الحرب. بنوده الرئيسية، التي تشمل وقف إطلاق النار الفوري، دمج تدريجي لقوات قسد في الجيش السوري تحت قيادة موحدة، وإدارة مشتركة للموارد النفطية والغازية في المناطق الشرقية، تعكس تنازلات متبادلة تجعل من الاتفاق ليس مجرد ترتيب أمني، بل خطوة نحو إعادة السلطة المركزية مع احترام الخصوصيات المحلية. هذا الاتفاق يعني عملياً عودة الدولة إلى مناطق كانت تعتبرها “خارج سيطرتها”، مثل الرقة والحسكة، دون اللجوء إلى مواجهات عسكرية مدمرة، مما يوفر على السوريين مزيداً من الدمار والنزوح. في رأيي، دلالات هذا الاتفاق تتجاوز البعد العسكري لتصبح سياسية واجتماعية، حيث يشكل بداية لمسار يعيد ترميم النسيج الوطني، ويثبت أن الدولة قادرة على استيعاب تنوعها بدلاً من قمعه، وأن الحلول الممكنة تكمن في الحوار لا في السلاح. لكن نجاحه يعتمد على تنفيذه الفعلي، الذي يجب أن يرافق بضمانات دستورية تحمي الحقوق الثقافية والسياسية للكرد، مثل الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية ومنح الجنسية لمن حُرموا منها، كما حدث في المرسوم الرئاسي السابق، ليصبح الاتفاق أساساً لعقد اجتماعي جديد يجمع السوريين تحت مظلة الدولة الجامعة.

هذه الخطوة يجب أن تكون دعوة للأقليات الأخرى في سوريا للتضامن معها، فالدروز في الجنوب، الذين حافظوا على دورهم التاريخي في حماية التنوع السوري خلال سنوات الحرب، يمكن أن يروا في هذا الاتفاق نموذجاً يضمن لهم خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية دون الشعور بالتهميش، خاصة وأنهم ساهموا في الاستقرار المحلي في مناطق مثل السويداء، ودعمهم لهذا المسار سيرسخ فكرة أن سوريا وطن للجميع. كذلك، العلويون في الساحل، الذين كانوا جزءاً أساسياً من النسيج الوطني لكن الحرب ألقت عليهم ظلال الطائفية، يمكن أن يجدوا في الاتفاق فرصة لدعم دولة جامعة تعتمد على المواطنة لا على الولاءات الفئوية، حيث يصبح دورهم في بناء الاستقرار الوطني تأكيداً لأنهم ليسوا “طائفة” بل مواطنون يساهمون في مستقبل مشترك. في رأيي، يعني تضامن هذه المكونات مع خطوة الشرع وقسد كسراً للحواجز النفسية التي بنتها الحرب، وإعلاناً بأن سوريا ليست ملكاً لمكون واحد أو طائفة معينة، بل فضاء يتسع للجميع، حيث يمكن للدروز والعلويين والكرد والسنة والاسماعيليين واليزيديين والمسيحيين والأرمن والتركمان… أن يجتمعوا تحت راية واحدة، مستفيدين من الدروس المرة للحرب ليبنوا وطناً يحمي التنوع بدلاً من استغلاله.

هذا التضامن يفتح الباب أمام بعد وطني جامع، حيث يصبح الاتفاق رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على استيعاب الجميع ضمن مؤسساتها، مع احترام الخصوصيات الثقافية والإدارية، مما يشجع على كسر الدوائر الطائفية والإقليمية التي قسمت سوريا. في رأيي، يمكن لهذا الاتفاق أن يصبح نواة لعقد اجتماعي جديد يقوم على مبدأ الشراكة لا الإقصاء، حيث يشارك كل مكون في إدارة الموارد والقرارات، مثل إعادة توزيع عائدات النفط بشكل عادل يفيد الجميع، ويضمن تمثيلاً متوازناً في الحكومة والمؤسسات. هذا البعد الوطني ليس خيالياً، بل واقعي إذا تم بناؤه على الثقة المتبادلة، حيث يصبح الاتفاق بين الشرع وقسد نموذجاً يُحتذى به للأقليات الأخرى، مشجعاً إياها على الانخراط في عملية إعادة البناء، لأن الدولة السورية الجديدة يجب أن تكون دولة مواطنة، تعترف بتنوعها كقوة لا كضعف، وتجعل من الاندماج عملية طوعية تعزز الوحدة الوطنية.

ومع ذلك، يواجه هذا التضامن تحديات كبيرة، أبرزها إرث الحرب الذي خلق انقسامات طائفية وسياسية عميقة، حيث يخشى الكثيرون من عودة الدولة الفئوية أو الإقصاء تحت ستار الوحدة. كما أن مخاوف الأقليات من فقدان خصوصيتها أو نفوذها، مثل الدروز الذين يرون في الاتفاق تهديداً لاستقلاليتهم المحلية، أو العلويين الذين قد يشعرون بالتهميش في ظل تغييرات انتقالية، يجب مواجهتها بضمانات دستورية وقانونية واضحة، مثل تعديل الدستور ليشمل حقوق الأقليات الثقافية والإدارية، وإنشاء آليات مراقبة دولية لضمان التنفيذ العادل. في رأيي، هذه التحديات ليست عقبات غير قابلة للتجاوز، بل فرص لإعادة صياغة الدولة السورية على أسس أكثر عدالة، حيث يصبح التضامن رداً على سنوات الاقتتال، ويحول التنوع من مصدر ضعف إلى مصدر قوة، شريطة أن تكون الضمانات ملموسة وغير قابلة للتراجع.

المستقبل الممكن لهذه الخطوة يعتمد على مدى تضامن الأقليات الأخرى معها، فإذا انخرط الدروز والعلويون والمكونات الأخرى في دعم الاتفاق، يمكن أن يتحول إلى نموذج وطني جامع يفتح الباب أمام بناء سوريا جديدة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يُدار النفط والغاز والموارد لصالح الشعب كله، لا لصالح فئة معينة. هذا المستقبل يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يضم كل المكونات، من الكرد إلى الدروز والعلويين والعرب، تحت شعار “سوريا تتسع للجميع”، حيث يصبح الاتفاق أساساً لمؤتمر وطني يعيد صياغة الدستور والمؤسسات لتعكس التنوع السوري. في رأيي، هذا السيناريو ممكن إذا تم التركيز على المشتركات، مثل الرغبة في السلام والاستقرار، وتجنب الاستقطاب الطائفي الذي دمر البلاد، مما يجعل سوريا نموذجاً للدولة الجامعة في المنطقة، قادرة على التعافي من جراحها والبناء نحو مستقبل أفضل.

الاتفاق بين الشرع وقسد ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسار جديد يمكن أن يعيد لسوريا وحدتها واستقرارها، شريطة أن يصبح التضامن الوطني ضمانة لنجاح أي تسوية. هذا الاتفاق يذكرنا بأن سوريا، بتاريخها العريق وتنوعها الغني، قادرة على تجاوز أزماتها إذا شارك الجميع في صياغتها، بعيداً عن الانقسامات والاحتكار، فالمستقبل السوري لن يُبنى إلا بأيدي أبنائها جميعاً، في دولة تكون للجميع ومن الجميع.