السيد الخامنئي: آخر ولي فقيه يحكم إيران

د. وجيه قانصو

مقتل السيد علي خامنئي بالضربة الأولى للحرب التي شنتها الولايات المتحدة بمعية إسرائيل على إيران، ليس حدثاً عادياً أو تفصيلاً يمكن تجاوزه والتطلع لما بعده، بل هو جوهر هذه الحرب ووجهتها ومقصدها الأبعد. مقتل خامنئي ليس قتلاً لشخص أو فرد، بل إنهاء لمعالم نظام تشكلت بعد موت المؤسس السيد الخميني. كان خامنئي مؤسسها ومحورها وقطب رحاها.

هي معالم نقلت إيران زمن خامنئي: من حال المنهك الخارج من الحرب ضد العراق إلى حال المتنفذ وحتى المهيمن في أربع عواصم عربية، من تكوين أمني بدائي إلى ترسانة عسكرية كثيفة ومتطورة، من سياسة وخطاب محملين بالأيديولوجيا والغيبيات إلى سياسة أكثر واقعية وخطاب براغماتي في تموضعها في العالم وبناء تحالفاتها الدولية، من منطلق عقائدي وتعبوي لتصدير الثورة إلى خلق قواعد قوة ونفوذ للتحكم بصناعة قرار الدول خارج حدودها، من هاجس بقاء وإثبات وجود إلى الصانع الأول لموازين القوى في المنطقة والفاعل الأساس في رسم سياساتها.

نظام يتمحور حول الولي الفقيه
الفراغ الذي سيحدثه غياب خامنئي في مستقبل النظام لا يمكن سده لا بمجلس قيادة جديد ولا بشخصية قيادية منتقاة. فالنظام الإيراني، رغم مؤسساته الدستورية ومرجعياته القانونية، يتقوم بمبدأ ولاية الفقيه، أي يتمحور حول الشخص الفرد الذي يملك صلاحيات شبه مطلقة، ويكون نقطة وصل مركزية لشبكة السلطة وصناعة القرار المعقدة في الداخل الإيراني.

ما يجعل النظام في تكوينه العميق، القائم على مركزية قرار حادة، مختزلاً بشخص الولي الفقيه، ويجعل الفصل بين النظام وشخص قائد النظام أمراً صعباً بل مستحيلاً، وتكون إنجازات النظام واستراتيجياته وسياساته وشبكة مصالحه منجزاً شخصياً للقائد وحقبة تتسمى باسمه، تتصل بوجوده وتنتهي برحيله.

نهاية مرحلة وبداية أخرى
هذا يعني أن مقتل رأس النظام إنهاء لمرحلة تاريخية مديدة بكل مجدها وصخبها، وبداية مرحلة جديدة لم تتضح معالمها وسماتها بعد. بالتالي لا يعود الحديث حول قدرة النظام الحالي على الصمود، أو حول استمرارية المرحلة السابقة بكامل زخمها واستراتيجياتها وشبكة مصالحها وبنية سلطتها، ولا حول الشخصية التي ستملأ الفراغ الهائل الذي حصل، وإنما يتجه النظر إلى معالم الواقع الجديد الذي يستطيع القطيعة مع المرحلة السابقة وتفكيك مؤسساتها وبناها العميقة، تمهيداً لتأسيسات جديدة قابلة للحياة، وأعمق تصالحاً وتفاعلاً مع المجتمع الإيراني، وأوسع انفتاحاً على التعددية السياسية، وأبلغ حكمة في التكيف والتفاعل مع المنظومة الدولية.

دور الولايات المتحدة والمعارضة الإيرانية
هذه المرحلة لا يتفرد بتحديدها ورسم معالمها ما تبقى من رموز ومتنفذي النظام الحالي، وإنما سيكون للولايات المتحدة الدور الأكبر فيها بالشراكة مع قوى المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج. فالحرب التي شنت لم تكن للضغط على النظام أو إضعافه أو فرض شروط تعجيزية عليه، وإنما لإنهائه بالكامل أو تحويله، أي خلق ترتيب سياسي جديد لا يقتصر على الإتيان بشخصيات إصلاحية أو أقل راديكالية، وإنما وضع أرضية جديدة لبنية السلطة تقوم على مشروعية جديدة، وذهنية مختلفة في صناعة القرار، ومرجعية قيمية في تدبير شؤون المجتمع.

بين الواقعية والخيال
لا نملك الكثير من التفاصيل حول إطار وبنية الوضع الجديد، أو حول القوى والممثليات والشخصيات التي سيتشكل منها. فجزء كبير من هذه التفاصيل ذو طابع مخابراتي يتسم بالسرية الكاملة، لا يمكن التعرف إليه أو الإفصاح عنه في بداية هذه المواجهة الحالية، لكونه جزءاً من استراتيجية الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الآن. إلا أن معالم الوضع الجديد في إيران ستتضح مع اقتراب الحرب من خواتيمها، كون إسقاط النظام ببنيته الأيديولوجية العميقة ومنظومة قواه وشبكة مصالحه هو الهدف الحصري للحرب، والثمرة السياسية التي يخطط الأمريكيون لتحقيقها.

هل ما نقوله واقعي أم ضرب من الخيال؟ الفيصل هو وجود جملة مؤشرات تجعل ما نحلله واقعياً. فقراءة الأحداث ليست تنبؤاً بالأحداث استناداً إلى إلهام أو نص ديني، بل تنطلق من القوانين التي تحكم حركة الأحداث ومنطقها الداخلي، ومن القوى الفاعلة فيها بتدافعاتها وتجاذباتها وقواها الذاتية وشدة تماسكها ونسق العلاقات التي تحكمها، ليكون بالإمكان بناء توقع واستشراف وجهة ورصد مسار تتناغم جميعها مع المعطيات والمؤشرات المتوفرة.

القرار الأمريكي وسياق المواجهة
فالولايات المتحدة اتخذت قراراً بإسقاط النظام الإيراني، وهو قرار اتخذ منذ اللقاء الأخير بين ترامب ونتنياهو. لم تكن المفاوضات الأمريكية الإيرانية سوى خدعة دبلوماسية لكسب الوقت في استكمال التجهز الأمريكي-الإسرائيلي الكامل للحرب، في حين بقي النظام الإيراني على وتيرته التقليدية في استنفاره واستعداداته العسكرية، وظل حتى اللحظة الأخيرة معتقداً أن الولايات المتحدة تهول بحشدها العسكري وغير جادة في حربها المفترضة. فكان يقابل التهويل الأمريكي بتهويل مضاد، من دون أن يتعامل معه بالجدية الكافية إما لمنعه أو للاستعداد الكافي له.

هو وضع سهَّل مهمة الأمريكيين في إحداث ضربة قاصمة للنظام، في اغتيال صف قيادته الأول وشل شبه كامل لقدراته العسكرية.

رد إيراني تقليدي في مواجهة آلة متفوقة
اتسم الرد الإيراني بغياب استراتيجية مواجهة، وغلب عليه الانفعال والتوتر باعتماد لغة الانتقام والثأر والتهديد بالعقاب، وهي لغة يستعملها في كل أزماته ومواجهاته، وباتت مألوفة لدى خصومه ولا يتجاوز أثرها الصخب الإعلامي والدعائي. كما أن ردوده العسكرية لم تخرج عن النمط التقليدي والمألوف الذي يحدث أضراراً بالمنشآت، لكن لا قيمة استراتيجية لها في سير المعركة والمواجهة، ولن تعيق آلة التدمير الأمريكية ذات التقنية العالية في الرصد والإصابة والتدمير من تنفيذ مهمتها في شل قدرة النظام، ليس فقط الدفاعية، وإنما بناه ومؤسساته، بما سيتسبب بتقطيع أوصال النظام وتشتيت طاقته وتعطيل قدرته على الإمساك الحازم بزمام الأمور.

رهانات الحرس الثوري
أطلق الحرس الثوري رشقاته الصاروخية وطائراته المسيرة في كل اتجاه، بمن فيها دول الخليج، مراهنًا في ذلك على عامل الزمن، اعتقاداً منه أن إطالة أمد الحرب ستكون لصالحه، لجهة عجز الخصم عن إنهاء النظام الحالي أو إسقاطه، ولجهة الرهان على أن الأضرار الكبرى التي يحدثها بأعدائه وحلفاء أعدائه، اقتصادياً وبشرياً ومؤسساتياً، سترغم عدوه على مراجعة حساباته وإيقاف حملته العسكرية بعد فقدان الجدوى منها أو انكشاف العجز عن تحقيق أغراضها.

لم تحقق استراتيجية الحرس الثوري هذه أغراضها حتى الساعة. فالاستهداف العشوائي لدول الخليج سيوسع عدد المتحالفين مع الولايات المتحدة أو الداعمين لها في حربها على نظام بات يشكل لدول المنطقة عنصر تهديد لاستقرارها وأمنها. كما إن فقدان أذرع النظام المنتشرة في المنطقة القدرة على الإسناد والدعم أو تخفيف ضغط الحرب الضروس على النظام، فإن رشقات النظام الإيراني العشوائية في كل اتجاه لم تحقق توازناً ولو بنسبة ضئيلة بين التدمير الساحق الذي يحصل في الداخل الإيراني والمستمر بكثافة وبين الأضرار التي تحدثها رشقات هذا النظام.

كانت ردود النظام تقليدية وقابلة للاستيعاب وحتى دون التوقع، ولم تتمكن من حماية الداخل الإيراني المكشوف لكل أدوات التدمير الممنهج والتعطيل الشامل التي تملكها طائرات وصواريخ عدوه وأجهزة تنصته وتفوقه السيبراني.

نحو نظام سياسي جديد
أمام حملة متقنة فائقة القدرة وتملك بدائل سياسية متعددة لما بعد النظام، وأمام نظام إيراني يعاني من فجوة عميقة بينه وبين مجتمعه لم يعتنِ بردمها ليضمن تماسك جبهته الداخلية، وفاقد المبادرة منذ الضربة الكارثية الأولى، مقتصراً في إدارة معركته على ردات الفعل الانتقامية، فإن مسار الحرب خرج من لعبة عض الأصابع، أو التسابق في تسجيل نقاط ربح وخسارة، أو صراع حول حجم النفوذ والأدوار الإقليمية، لتتجه الحرب نحو تفكيك كل قواعد الاشتباك السابقة، وتأسيس أرضية جديدة لخارطة قوى جديدة في المنطقة بقواعد مختلفة، ونحو انتظام سياسي جديد في الداخل الإيراني يكون فيها السيد علي خامنئي على الأرجح آخر ولي فقيه يحكم إيران.

عن جنوبية اللبناني