في زحمة التحولات الكبرى التي يشهدها الفكر العربي المعاصر، يبرز سؤالٌ حادّ ومُلِحٌّ: إلى أين يمضي الخطاب السيكولوجي العربي؟ وهل استطاع أن يُؤسِّس لنفسه شرعية معرفية ومشروعية تطبيقية ضمن الحقول العلمية والاجتماعية والثقافية في أوطاننا، أم ظل حبيس الاجترار والتبعية والتكييف الانتقائي لنماذج غربية لا تنتمي إلى البنية النفسية والسوسيوثقافية للمجتمعات العربية؟
لا يمكن لنا أن نلج هذا السؤال دون التوقف عند بعض المعطيات المؤلمة التي تشكّل الخلفية العامة لإنتاج الخطاب النفسي العربي. فما يزال الواقع العربي إلى اليوم – وعلى الرغم من كل التحديثات الشكلية – مجزأً ومفككاً، ليس فقط جغرافياً بفعل الحدود المصطنعة، بل معرفياً أيضاً بفعل الاستلاب المزدوج: من جهة أولى استلابٌ تقليدي قومي ومذهبي، يكرّس فهماً بنيوياً للمجتمعات على أساس الانتماء العرقي أو الطائفي، ومن جهة أخرى استلابٌ إيديولوجي حداثي، يتمثّل في تقليدٍ أكاديمي غير نقدي للمناهج الغربية، دون مساءلة عميقة لسياقاتها التاريخية وإشكالياتها الثقافية.
ولذلك فإن تقييم الخطاب السيكولوجي العربي، وفقاً للمقتضيات الإبستمولوجية المعاصرة، يطرح إشكالية مزدوجة تتعلق بما يلي:
مدى أصالته في تشخيص الذات العربية، لا بوصفها مفهوماً مجرداً بل ككائن نفسي ـ تاريخي ـ ثقافي يعاني من ضغوط التمزق الحضاري والانفصام بين موروثه التقليدي ومطالبه الحداثية.
وإلى أي حد نجح هذا الخطاب في تأسيس مرجعية مستقلة قادرة على ربط النظرية بالممارسة، والتحليل بالواقع، والتجريد بالمعنى المجتمعي المعيش؟
إن معظم الأدبيات السيكولوجية في العالم العربي – باستثناء بعض المبادرات الفردية – تفتقر إلى هذا الربط الجدلي الضروري بين المفاهيم والنماذج، وبين الأنساق الاجتماعية والسياسية التي تشكل بنية النفس العربية. ولعل هذا ما دفع بعض العلماء العرب إلى المناداة منذ عقود بضرورة إنشاء مدرسة سيكولوجية عربية، تستند إلى دراسة علمية معمقة للذات العربية، بالاعتماد على أدوات منبثقة من البيئة الثقافية والاجتماعية واللغوية، بدل استيراد نماذج معرفية لا تلامس الواقع بقدر ما تفرض عليه أنماطاً تفسيرية قسرية.
لكن، هل ثمة ما يبرر فعلاً هذه الدعوة؟
هل نحن بحاجة فعلاً إلى “علم نفس عربي”، أم أن العلم بطبيعته كوني، لا يعرف الانتماء، وإنما يُقاس بمقدار صدقه وفعاليته في قراءة الإنسان ككائن عام؟
في الواقع، إن هذا السؤال قد طُرِح في تجارب عالمية أخرى. فالسيكولوجيا البريطانية مثلاً لم تكن نسقاً محايداً بقدر ما عبّرت عن الذهنية البراغماتية والتجريبية للمجتمع الإنجليزي. والسيكولوجيا السوفييتية كانت إلى حد كبير تجسيداً لنزعة مادية ـ جدلية أنتجت نظريات متأثرة بالماركسية وبتصورها للطبيعة البشرية كنتاج لصراع طبقي وتاريخي. أما المدرسة الأمريكية، فقد تجذرت في فلسفة البراغماتية والنزعة الأداتية، فصاغت علم نفس قائم على السلوك، وعلى التكيّف، وعلى فكرة النجاح والفشل أكثر مما على تحليل الأعماق.
وعليه، فإن السؤال المطروح في العالم العربي لا يجب أن يكون فقط: لماذا لا نملك خطاباً سيكولوجياً عربياً أصيلاً؟، بل: ما هي الشروط اللازمة لولادة خطاب كهذا؟
أولاً: الحاجة إلى التشخيص الأنثروبولوجي – النفسي للذات العربية
الذات العربية ليست فقط كائناً نفسياً، بل هي أيضاً كيان ثقافي ووجودي مشحون بموروثات عتيقة وتصدّعات استعمارية وهزائم حداثية. ومن هنا فإن أي خطاب نفسي لا يبدأ من مساءلة “الهوية الجريحة” للعربي، و”بنية الإذعان” و”اللامبالاة” التي ترسّبت في لاوعيه الجمعي، سيكون خطاباً نظرياً مشلولاً، لا يرقى إلى أن يكون مدرسة مستقلة.
ثانياً: نقد النموذج المستعار
إن الخطاب السيكولوجي العربي، في مجمله، هو خطاب مترجم. تُستورد فيه المفاهيم مثل: “الأنا العليا”، و”اللاشعور”، و”التكامل النفسي”، و”التحليل النفسي”، دون إعادة تكييفها بمحتوى البيئة العربية. بل إن بعض هذه المفاهيم لا تجد ما يقابلها دلالياً في اللغة العربية، أو لا تملك بنية تأويلية راسخة في العقل الجمعي العربي.
إن المطلوب اليوم هو تأسيس خطاب نقدي مزدوج:
ينقد النموذج الغربي المهيمن، وينقد الفكر التقليدي الذي ما زال يربط العلل النفسية بالسحر أو الحسد أو “الجن”، متجاهلاً الأسباب العميقة للمعاناة.
ثالثاً: إخراج السيكولوجيا من قاعات النخبة
لا بد من إعادة تشكيل الخطاب السيكولوجي العربي بطريقة تتجاوز النخبوية والتقنيات، ليصبح خطاباً اجتماعياً عاماً يسهم في التوعية والشفاء الجمعي. السيكولوجيا العربية، كما أشار المفكر مالك بن نبي، يجب أن تتحول إلى “فكر موجه للفعل”، لا إلى “فكر يشرح الفعل بعد فوات الأوان”. وكما قال فرانز فانون: “التحليل النفسي الذي لا يحوّل ألمه إلى مشروع تحرر، هو نوع من الخيانة المعرفية للإنسان المقهور”.
خاتمة:
إن الخطاب السيكولوجي العربي ما زال في طور التشكل، ولا يمكنه أن يتحول إلى مدرسة راسخة إلا إذا لبّى جملة من الشروط المعرفية والثقافية والأنثروبولوجية، أولها: الاعتراف بتجذر “الذات المتألمة”، وثانيها: الانفتاح النقدي على المناهج العالمية دون أن يكون أسيرها، وثالثها: المراهنة على التجريب الميداني والمعايشة العميقة للواقع العربي المتعدد.
وبناءً على ذلك، فإن السؤال ما زال برسم الإجابة:
هل يمكن للسيكولوجيا أن تتحوّل في العالم العربي من خطابٍ مستورد إلى أداة تحرر معرفي – نفسي – اجتماعي؟
أم أنها ستظل تدور في فلك “الآخر” بين الترجمة والاجترار؟
وهل آن أوان اليقظة النفسية في مجتمع يعيش جلّه على أطلال التاريخ وقلق الهوية؟






