منذ سنوات يتردد في الخطاب السياسي في الولايات المتحدة وإسرائيل تعبير “الشرق الأوسط الجديد”، وهو مصطلح يبدو للوهلة الأولى توصيفًا جغرافيًا أو رؤيةً للتحديث، لكنه في عمقه يعكس مشروعًا لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. هذا المشروع لا يقوم على إنهاء الصراعات التاريخية بقدر ما يسعى إلى تجاوزها أو إعادة ترتيبها بما يخدم توازنات جديدة، يكون فيها دمج إسرائيل في النسيج الإقليمي أولوية تتقدم على أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
الفكرة المركزية في هذا الطرح تقوم على الانتقال من منطق “حل الصراع” إلى منطق “إدارة الصراع”. لم تعد القضية الفلسطينية تُقدَّم بوصفها مفتاح الاستقرار في المنطقة، كما كان يُقال لعقود، بل باتت تُصوَّر كملف يمكن احتواؤه عبر تحسينات اقتصادية وتسهيلات معيشية، دون الاضطرار إلى معالجة جوهر المشكلة المتمثل في الاحتلال وحق تقرير المصير. وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح في موجة التطبيع التي رعتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث جرى تقديم الاندماج الإقليمي لإسرائيل كمدخل لشرق أوسط مزدهر، بينما أُرجئت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسيادة والحدود واللاجئين والقدس.
في هذا السياق، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تُزاح تدريجيًا من موقعها المركزي في الوعي العربي والدولي. فبدل أن تكون معيارًا لشرعية أي نظام إقليمي، أصبحت عبئًا يراد تحييده كي لا يعرقل مشاريع التحالفات الاقتصادية والأمنية الجديدة. يترافق ذلك مع تسارع في فرض الوقائع على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو تكريس واقع السيطرة الإسرائيلية، بما يجعل أي حديث مستقبلي عن دولة فلسطينية أكثر تعقيدًا. وهكذا يتحول “الشرق الأوسط الجديد” من وعد بالاستقرار إلى كابوس سياسي للفلسطينيين، لأنه يهدد بتحويل قضيتهم من قضية تحرر وطني إلى شأن إداري محدود، يُدار بدل أن يُحل.
غير أن أخطر ما في هذا المشروع ليس في بنوده المعلنة، بل في منطقه الضمني: افتراض أن الاستقرار يمكن أن يتحقق عبر التحالفات والصفقات، لا عبر العدالة. التاريخ الحديث في المنطقة يبيّن أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إنهائه، بل إلى تأجيل انفجاره. فالشعوب لا تنسى حقوقها بمجرد إعادة رسم خرائط المصالح. ومن هنا فإن محاولة بناء نظام إقليمي يتجاوز فلسطين بدل أن ينصفها، يحمل في داخله عناصر هشاشته.
أمام هذا المشهد، لا يكفي للفلسطينيين الاكتفاء برفض المشروع أو التنديد به، بل المطلوب إعادة بناء استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع التحولات الجديدة. البداية تكون من الداخل، عبر إنهاء الانقسام واستعادة وحدة القرار السياسي، لأن أي مشروع خارجي يجد في الانقسام الفلسطيني ثغرة ينفذ منها. ثم يأتي تجديد الخطاب السياسي بحيث يرتكز على الحقوق غير القابلة للتصرف، لا على إدارة عملية تفاوضية بلا أفق. فالقضية الفلسطينية في جوهرها ليست مسألة تحسين شروط حياة تحت الاحتلال، بل مسألة حرية وكرامة وسيادة.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تدويل الصراع قانونيًا وأخلاقيًا، والاستثمار في التحولات التي يشهدها الرأي العام العالمي، حيث باتت الرواية الفلسطينية تحظى بحضور متزايد في الأوساط الأكاديمية والحقوقية. كما أن بناء اقتصاد صمود يقلل من التبعية ويعزز القدرة على اتخاذ قرار مستقل، يشكل عنصرًا أساسيًا في أي مواجهة طويلة الأمد مع مشاريع إعادة الهيكلة الإقليمية.
إن “الشرق الأوسط الجديد” ليس قدرًا محتومًا، بل تصور سياسي قابل للتعديل تبعًا لموازين القوى والإرادات. والسؤال الحاسم لا يتعلق فقط بما تخطط له القوى الكبرى، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على تحويل لحظة التهميش إلى لحظة إعادة تعريف لذاتهم ولمشروعهم الوطني. فالمنطقة قد يعاد رسمها أكثر من مرة، لكن الحقوق التي تستند إلى العدالة تبقى عنصرًا ثابتًا يصعب تجاوزه. ومن هنا، فإن أي شرق أوسط يُراد له أن يكون مستقرًا فعلًا، سيظل مضطرًا في النهاية إلى مواجهة الحقيقة الأساسية: لا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة من دون حل عادل للقضية الفلسطينية





