*الشرق الأوسط: ساحة الدماء التي تُشعلها الأيادي الخفية وتُطفئها دموع الضحايا*

بن معمر الحاج عيسى

في قلب العالم، حيث تلتقي حضارات الأمس بصراعات اليوم، تُسكب دماء الملايين على مذبح أطماع لا تنتهي. الشرق الأوسط ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو جسدٌ ممزقٌ بين مخالب القوى العظمى وأنياب المشاريع الإقليمية، حيث تُحاك المؤامرات في الغرف المغلقة، وتُدفع الفواتير في الساحات العامة. هنا، حيث تُختطف أحلام الشعوب لتصبح رهينة في لعبةٍ دوليةٍ قذرة، تُدار بلغة السلاح والفساد، تُزرع الفوضى لتحصد الهيمنة، وتُشعل الحروب لتبيع الأسلحة. هذه ليست قصة صراعٍ عابرٍ، بل هي ملحمة مأساوية تكشف كيف تُحوَّل الجغرافيا إلى سجنٍ للتاريخ، والإنسان إلى رقمٍ في معادلة القوة.

الولايات المتحدة، برغم تراجع وهجها كقطبٍ أوحد، ما زالت تمتلك مفاتيح اللعبة عبر شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء. من إطاحة مصدق في إيران عام 1953 إلى دعم انقلابات القرن الأفريقي، ومن حرب العراق إلى صفقات القرن مع إسرائيل، تنسج واشنطن خيوطًا تظهر تارةً في دعم “الديمقراطية” وتارةً في تمويل الجماعات المتطرفة. ليست مصادفةً أن ترتفع مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى المنطقة بنسبة 40% مع كل أزمة، أو أن تتحول القواعد العسكرية في الخليج إلى مدنٍ دائمةٍ لعشرات الآلاف من الجنود. روسيا، من جانبها، لا تقل براعةً في تحويل الأنقاض إلى نقاط نفوذ: قاعدة حميميم في سوريا لم تكن مجرد منصة عسكرية، بل بوابة لاستعادة دور الإمبراطورية السوفيتية المفقود، عبر تحالفات مع طهران وأنظمة تبحث عن ظهيرٍ يقف ضد “الربيع العربي” الذي رآه الكرملين تهديدًا وجوديًا.

إسرائيل، اللاعب الذي يحوِّل كل أزمةٍ إلى فرصة، تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بخبثٍ استثنائي. عندما تشتعل حربٌ في غزة، تطلق طائراتها النار بينما تطلق دبلوماسيتها حملاتٍ لتطبيع العلاقات مع العرب. عندما تتصاعد التوترات مع إيران، تتحالف سرًا مع دول الخليج تحت طاولة المصالح المشتركة. استراتيجيتها لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على تفكيك أي احتمالٍ لوحدة عربية، عبر تغذية الصراعات الطائفية، ودعم انفصاليي الأقليات، وتحويل الدول إلى كياناتٍ هشةٍ تتنافس على البقاء بدلًا من مواجهة الاحتلال.

إيران وتركيا، كلتاهما تمتلك مشروعًا إمبراطوريًا يعود إلى ذاكرة التاريخ. طهران، التي حوّلت الحرس الثوري إلى شركةٍ متعددة الجنسيات تتحكم في اقتصاد الحرب من اليمن إلى لبنان، تستخدم الميليشيات كعملةٍ سياسيةٍ رخيصة. أما أنقرة، فتعيد أحلام العثمانيين عبر دعم الجماعات المسلحة في ليبيا، والتمدد العسكري في شمال سوريا، واستغلال الأزمات الاقتصادية لفرض هيمنةٍ ناعمةٍ من الصومال إلى قطر. السعودية، في المقابل، تدفع ثمن تحالفها التاريخي مع واشنطن بتحولها إلى سوقٍ للسلاح وقلعةٍ مهددةٍ من الداخل، حيث تُستنزف مواردها في حرب اليمن التي كشفت هشاشة القوة النفطية أمام تعقيدات الجغرافيا.

لكن وراء كل هؤلاء، ثمة لاعبون خفيون يربحون حين يخسر الجميع: شركات السلاح التي تحول الموت إلى أرباح. من “لوكهيد مارتن” إلى “روساتوم”، تزدهر هذه الشركات كلما ازدادت التوترات. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الإنفاق العسكري العربي تجاوز 200 مليار دولار عام 2023، بينما يعيش 60% من سكان المنطقة تحت خط الفقر. النفط، ذلك السائل الأسطورة، لم يعد مجرد مصدر طاقة، بل أداةً للابتزاز. عندما تهدد واشنطن بإغراق السوق بالنفط الصخري، أو عندما تستخدم موسكو الغاز كسلاحٍ ضد أوروبا، تتحول آبار الخليج إلى ساحاتٍ لصراعٍ لا مرئي يحدد مصير الملايين.

وفي قلب هذه العاصفة، هناك من يدفع الثمن: الطفل السوري الذي يحمل حقيبته المدرسية بين الأنقاض، والعراقي الذي يبحث عن دواءٍ بين ركام مستشفى دمرته الميليشيات، واليمني الذي يبيع أطفاله ليشتري رغيفًا. الشعوب لم تعد مجرد ضحايا، بل أصبحت وقودًا يُستخدم لإطالة أمد الصراع. حتى القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا رمزًا للتحرر، تحولت إلى ورقةٍ في لعبة المصالح: تُذكر حين تخدم خطابًا سياسيًا، وتُنسى حين تعترض طريق الصفقات.

لكن التاريخ يعلمنا أن المأساة لا تنتهي إلا حين تتحول الدماء إلى وعي. الربيع العربي، رغم فشله السياسي، كسر جدار الخوف وأثبت أن الشعوب قادرة على هز عروش المستبدين. التحدي اليوم هو تحويل الغضب العشوائي إلى إرادة منظمة. الوحدة العربية ليست شعارًا رومانسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا لمواجهة التقسيم. الديمقراطية ليست ترفًا فكريًا، بل آليةً لتحصين الدول من الاختراق الخارجي. التنمية ليست مشروعًا خيريًا، بل سلاحًا ضد الفوضى. حين تُبنى المدارس بدلًا من السجون، وتُزرع الحقول بدلًا من الألغام، وتُستثمر الأموال في الصناعة بدلًا من الرشاوى، ستنكمش مساحة اللاعبين الخارجيين تلقائيًا.

الشرق الأوسط يمر بلحظة مصيرية: إما أن تستمر الحلقة الجهنمية لتمزق ما تبقى من جسده، أو أن تنتفض إرادة الشعوب لكتابة فصلٍ جديدٍ، حيث تُدفن الأجندات الخارجية تحت أنقاض المصلحة الوطنية. الدماء التي سالت لعقود ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خياراتٍ سياسيةٍ فاسدة. الأمل الوحيد يكمن في أن تدرك الأجيال الجديدة أن الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع، وأن السلام لا يُصنع في قاعات الأمم المتحدة، بل في ساحات النضال اليومي لبناء دولةٍ تحمي الإنسان، لا تُبادله بالذهب والسلاح.