شعب طيب جدا ذكي جدا متعلم حد الإدهاش لكنه وبكل قسوة التاريخ شعب يعاقب لأنه فلسطيني. لم يمنح يوما ترف الاستقرار ولا رفاهية الأمان بل كتب عليه أن يولد تحت القصف ويكبر تحت الحصار ويشيخ تحت الخذلان. يطرد منذ أكثر من سبعة عقود ولا يزال يطرد يهجر من بيته ومن أرضه ومن ذاكرته ومن أحلامه ولا يزال يهجر إلى الساعة وكلما حاول أن يلتقط أنفاسه جاءه الطعن من حيث لا يتوقع من احتلال لا يعرف إلا لغة القوة ومن عالم لا يرى إلا مصالحه ومن نظام دولي أعمى حين يتعلق الأمر بفلسطين.
هذا شعب أحب السلام فاتهموه بالضعف وحين دافع عن نفسه وصفوه بالإرهاب. سعى إلى النظام فكافأوه بالفوضى وبنى مؤسسات فحاصروها وانتخب فعاقبوه وحاول أن يكون طبيعيا كبقية شعوب الأرض فحكم عليه أن يبقى استثناء في العذاب. في السياسة نحن الضحية الدائمة لمعادلات قذرة ورقة تفاوض هنا وأداة ضغط هناك وملف مؤجل في كل العواصم وقضية تستخدم ولا تنصر. يتحدثون عن حقوق الإنسان لكن حين يكون الإنسان فلسطينيا تسقط كل القوانين. يتغنون بالديمقراطية لكن حين يختار الفلسطيني طريقه تفرض عليه العقوبات. يرفعون شعار الحرية لكن حين يطالب بها الفلسطيني يقصف ويحاصر ويجوع.
أما الاحتلال فهو مشروع كامل لإلغاء الإنسان الفلسطيني قتل واعتقال واستيطان وتهجير وهدم وحصار وتزييف للتاريخ والوعي. ليس فقط احتلال أرض بل احتلال رواية واحتلال مستقبل وسعي حثيث لاقتلاع الذاكرة من جذورها. يريدون لنا أن ننسى أن نعتاد أن نستسلم لكن هذا الشعب عصي على الكسر عنيد في تمسكه بالحياة متمرد على الهزيمة.
وفي وسط هذا الجحيم يحاول الفلسطيني أن يحافظ على ذاته على أخلاقه على وعيه على تماسكه وعلى حلمه البسيط بوطن آمن. لكن الألم الطويل ينهك والقهر المتراكم يتعب والخذلان المتواصل يرهق الروح فتظهر بعض الشوائب لا لأنها من طبيعة هذا الشعب بل لأنها نتاج طبيعي للضغط وللفقر ولليأس ولانسداد الأفق. ومع ذلك يبقى الفلسطيني أكبر من جراحه أسمى من سقوطاته وأصدق من كل محاولات تشويهه.
يبقى وفيا لفكرة الوطن مخلصا لحلمه بالحرية متمسكا بحقه في دولة وفي كرامة وفي مستقبل يليق بأطفاله. يبقى يزرع الأرض ولو سرقت ويعلم أبناءه ولو جاع ويحمل مفاتيح بيوته ولو طال الغياب ويكتب أسماء قراه على جدران القلب كي لا تضيع في زحمة النسيان.
يا رب لمن نلجأ في عالم باع ضميره ومن لنا حين تصمت العدالة وتكمم الحقيقة وتكافأ الجريمة. يا رب نحن شعب لم يعد يحتمل المزيد. لم نعد نطلب تعاطفا نطلب موقفا. لم نعد نبحث عن خطابات نبحث عن عدالة. لم نعد نرجو بيانات نريد قرارات تنقذ ما تبقى من إنسانيتنا.
يا رب إن كانت السياسة قد خانتنا وإن كان العالم قد تخلى عنا فلا تتركنا وحدنا. امنح هذا الشعب صبرا لا ينكسر ووعيا لا يخترق وإرادة لا تهزم. واكتب لنا فجرا قريبا نفيق فيه بلا حصار ولا خوف ولا دم. هذا شعب يستحق الحياة وهذا شعب يستحق دولة وهذا شعب مهما طال الليل لن ينسى أن الشمس لا بد أن تشرق.







