الصراع الثقافي: بين وهم الهيمنة ومطلب الاعتراف – مقاربة فلسفية في جذور النزاع ومآلاته.

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الصراعات الكبرى في العالم تنطوي على أبعاد ثقافية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يعكس تحوّلاً نوعياً في بنية النزاع الإنساني؛ من كونه صراعاً مادياً حول الموارد أو المواقع الجغرافية إلى كونه صراعاً رمزياً حول المعاني والهوية وحق الوجود الثقافي. وفي هذا الإطار، لم يعد من الممكن الحديث عن الحرب أو النزاع بمعزل عن البعد الثقافي الذي يتحوّل، في كثير من الأحيان، من عامل كامن في الخلفية إلى أداة تبريرية تمنح الصراع شرعية رمزية وأخلاقية.
إن السعي إلى التعددية الثقافية يُعَدّ من الحقوق التي تندرج ضمن ما يُعرف في بعض الأدبيات الحقوقية بالجيل الرابع من حقوق الإنسان. ففي أدبيات حقوق الإنسان، يشير هذا المفهوم إلى طيف جديد من الحقوق المرتبطة بالهوية والثقافة والفضاء الرقمي، ومن بينها الحق في الاختلاف الثقافي والتنوع الحضاري. وقد نبهنا مراراً إلى أهمية الاعتراف الثقافي بوصفه مطلباً جوهرياً لتحقيق العدالة الإنسانية، محذرين من أن إنكار الثقافات الأخرى أو تهميشها يولّد شعوراً بالغبن والإقصاء قد يتحول إلى عنف رمزي أو فعلي. وفي هذا السياق، نستحضر ما قاله الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في مقاله الشهير: «إن الحرمان من الاعتراف ليس مجرد إهمال، بل هو شكل من أشكال القمع الثقافي».
كما تُستخدم الثقافة أحياناً قناعاً للصراع، يمتد من الحقبة الاستعمارية إلى عصر العولمة. فإذا كان الاقتصاد والجيوسياسة يشكلان المحركين العميقين لكثير من النزاعات، فإن الثقافة كثيراً ما تؤدي دور الواجهة الأخلاقية التي تُبرَّر من خلالها تلك النزاعات. فقد رفعت القوى الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين شعارات من قبيل «تمدين المتوحشين» و«عبء الرجل الأبيض»، وهي العبارة التي اشتهر بها الأديب الإنجليزي روديارد كبلنغ، لتبرير مشاريعها التوسعية والاستعمارية، مغلفة أطماعها الاقتصادية بثوب ثقافي وأخلاقي. وفي هذا السياق، يحذر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» من أن الثقافة الغربية تحولت، في بعض تجلياتها، إلى أداة للهيمنة، إذ جرى تصوير الشعوب غير الغربية بوصفها ناقصة أو غير ناضجة، بما يضفي شرعية على التدخل في شؤونها وإخضاعها لمنطق المركزية الغربية.
ومن هنا يمكن النظر إلى النزاع بوصفه صراعاً على المعنى. فالصراعات الثقافية، في نظر علماء الاجتماع، ليست مجرد اختلافات في الأذواق والعادات وأنماط الحياة، بل هي صراعات حول «رأس المال الرمزي»، أي حول تحديد ما يُعد مشروعاً أو راقياً أو حقيقياً. وعليه، يغدو الحقل الثقافي ساحة للصراع على الهيمنة والتأثير، حيث تسعى الفئات المهيمنة إلى فرض تعريفها الخاص للواقع، بينما تحاول الجماعات المهمشة إعادة تعريف ذاتها ومكانتها في المجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الهيمنة الثقافية» الذي طوّره المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، والذي يبيّن كيف يمكن للثقافة أن تتحول إلى أداة لتكريس البنى السلطوية، بحيث تصبح الأيديولوجيا جزءاً من الحس المشترك والوعي اليومي للناس، فتُقبل الهيمنة لا بالقسر والإكراه، بل بالرضا والإقناع. كما يلتقي هذا التصور مع مفهوم «العنف الرمزي» لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي كشف عن الكيفية التي تُمارَس بها السلطة من خلال الرموز والمعايير الثقافية المقبولة اجتماعياً.
لقد شهد عالمنا المعاصر العديد من الحروب والنزاعات التي اتسم بعضها بدرجات عالية من الدموية، وكان كثير منها ثمرة للتشظي الثقافي والانقسام الهوياتي. ولم يعد الصراع الثقافي مقتصراً على العلاقات بين الدول، بل أصبح متغلغلاً داخل المجتمعات نفسها، حيث تغذي الانتماءات الدينية أو الطائفية أو الإثنية نزاعات داخلية حادة. وفي هذا السياق، يحذر المفكر اللبناني أمين معلوف من تحوّل الانتماءات الجزئية إلى «هويات قاتلة»، حين يُختزل الإنسان في انتماء واحد ضيق يُستغل لتبرير العنف والإقصاء. ويرى أن غياب المواطنة الثقافية الحاضنة للتنوع هو ما يجعل الاختلاف عبئاً بدلاً من أن يكون مصدر ثراء وإبداع.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى البحث عن السبل الناجعة لتجسير الفجوات الثقافية وبناء ما يمكن تسميته «عقداً اجتماعياً ثقافياً» جديداً. فالتقارب بين الثقافات لا يتحقق من خلال خطاب تسامح شكلي أو مجاملات دبلوماسية عابرة، بل يتطلب اعترافاً متبادلاً وفعلياً بالكرامة الثقافية لجميع المكونات الإنسانية، كما يتطلب إعادة توزيع السلطة الرمزية على نحو أكثر عدلاً وإنصافاً.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع المفكر والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول «الفعل التواصلي»، القائم على العقلانية الحوارية والتشاركية واحترام الآخر بوصفه نداً وشريكاً في إنتاج المعنى. فالحوار الثقافي ليس مجرد تبادل للآراء والمواقف، بل هو تأسيس لشروط العيش المشترك وبناء فضاء إنساني رحب يتجاوز أوهام التفوق الحضاري والمركزيات المغلقة.
وفي الختام، يبدو من الضروري السعي الحثيث نحو بلورة فلسفة للسلام الثقافي، إذ لا يمكن تحقيق سلام عالمي مستدام من دون بناء سلام ثقافي قائم على الاعتراف بالتنوع والقبول بالاختلاف والتخلي عن أوهام الهيمنة والتفوق. إن الثقافة، حين تتحرر من أسر التوظيف الإيديولوجي، تغدو جسراً لا متراساً، وأفقاً لا جداراً، وفضاءً للحوار لا ميداناً للإقصاء. وكما قال الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: «إن الفهم المتبادل بين الثقافات لا يعني الذوبان، بل احترام المسافات». وفي زمن تتكثف فيه النزاعات تحت أقنعة ثقافية متعددة، تزداد حاجتنا إلى تفكيك تلك الأقنعة والعودة إلى جوهر إنسانيتنا المشتركة، بوصفها الأساس الأعمق لكل مشروع حضاري يسعى إلى العدالة والسلام.
أجريتُ تدقيقاً لغوياً ونحوياً وأسلوبياً، مع تعزيز الترابط المنطقي للمقال، وتصحيح بعض المصطلحات الفلسفية والسوسيولوجية، مع المحافظة على رؤيتكم الفكرية وبنيتكم الحجاجية الأصلية.