أستاذ محاضر في العلوم السياسية
كاتب ومحلل سياسي
ملخص (Abstract)
تتناول هذه الدراسة طبيعة الصراع الصهيوني–الفلسطيني بوصفه صراعاً أنطولوجياً على المكان، يتجاوز الأبعاد السياسية والعسكرية ليطال سؤال الوجود، والهوية، والشرعية التاريخية. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الصهيونية فشلت في التحول من مشروع قوة إلى وجود طبيعي، بسبب تعارضها مع ديناميكيات المكان الفلسطيني بوصفه فضاءً متجذراً تاريخياً وحضارياً. تعتمد الدراسة المنهج التحليلي–الفلسفي النقدي، مستندة إلى مفاهيم الأنطولوجيا السياسية، ونقد الاستعمار الاستيطاني، وجدلية القوة والحق، لتخلص إلى أن السلام لا يمكن أن يُبنى على فائض القوة، بل على العدالة والاعتراف المتبادل بالوجود.
الكلمات المفتاحية:
المكان، الأنطولوجيا السياسية، الصهيونية، فلسطين،
الاستعمار الاستيطاني، الهوية، العدالة، السلام.
مقدمة
غالباً ما يُختزل الصراع الصهيوني–الفلسطيني في مقاربات سياسية أو أمنية، تتعامل معه كإشكالية حدود أو نزاع سيادي. غير أن هذا الاختزال يُغفل البعد الأعمق للصراع، المتمثل في كونه صراعاً على المكان بوصفه وجوداً ومعنى، لا مجرد أرض قابلة للتقسيم. فالمكان في الحالة الفلسطينية ليس محايداً، بل هو حاملٌ للذاكرة، ومُنتج للهوية، ومجالٌ لتكوّن الوعي التاريخي.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي:
هل نجحت الصهيونية في تأسيس وجود أنطولوجي شرعي في المكان الفلسطيني، أم بقيت مشروع قوة عاجزاً عن إنتاج معنى الوجود؟
أولاً: الإطار النظري والمنهجي للدراسة
تعتمد الدراسة على:
الأنطولوجيا السياسية: لفهم العلاقة بين الوجود والمكان والسلطة.
نظرية الاستعمار الاستيطاني (Patrick Wolfe): التي ترى أن الاستيطان يقوم على منطق الإحلال لا التعايش.
نقد الأيديولوجيا (ماركس – ألتوسير): لتحليل تحويل السردية الدينية إلى أداة سياسية.
المنهج التحليلي–النقدي: في تفكيك الخطاب الصهيوني ومقولاته التأسيسية.
ثانياً: المكان بين الجغرافيا والأنطولوجيا
في الفلسفة الحديثة، لا يُعرّف المكان بوصفه امتداداً فيزيائياً فحسب، بل كفضاء تتشكل داخله الذوات والهويات (هايدغر، ميرلو-بونتي).
في السياق الفلسطيني، يُمثل المكان:
استمرارية تاريخية غير منقطعة،
علاقة عضوية بين الإنسان والأرض،
ذاكرة جمعية حية ومتوارثة.
أما الصهيونية، فقد تعاملت مع المكان باعتباره:
فراغاً جغرافياً،
أو أرضاً بلا شعب،
قابلة لإعادة الكتابة بالقوة.
وهنا يظهر التعارض الأنطولوجي الجوهري:
المكان الفلسطيني مكانٌ مأهول بالمعنى، بينما الصهيونية حاولت تحويله إلى موضوع امتلاك.
ثالثاً: الصهيونية بين الوعد التوراتي والواقع السياسي
تستند الصهيونية في خطابها التأسيسي إلى الوعد التوراتي لإبراهيم ويعقوب وموسى، لكنها تقوم بعملية أدلجة للنص الديني عبر:
نزع النص من سياقه الإيماني،
تحميله وظيفة سياسية حديثة،
تحويله إلى أداة شرعنة للاستيطان.
غير أن الإشكالية المركزية تكمن في أن:
النص الديني لا يُنتج سيادة سياسية معاصرة،
ولا يمكن استدعاء زمن غابر لفرضه على حاضر حيّ.
وبذلك، فإن الصهيونية لم تُحوّل الوعد إلى حق، بل إلى ادعاء مدعوم بالقوة.
رابعاً: المعيقات الأنطولوجية لفشل المشروع الصهيوني
تحدد الدراسة خمس معيقات أنطولوجية رئيسية:
غياب التجذر التاريخي في المكان
فالوجود الصهيوني قائم على الهجرة والإحلال لا على التراكم الطبيعي.
تناقض الذاكرة
ذاكرة فلسطينية متجذرة مقابل ذاكرة صهيونية مصنوعة ومفروضة عبر التعليم والسرد الرسمي.
الاعتماد على فائض القوة
حيث تتحول القوة من وسيلة إلى غاية، ما يعكس أزمة شرعية بنيوية.
استمرار الوجود الفلسطيني والمقاومة
فشل الصهيونية في كسر الوعي أو إنهاء الفكرة الوطنية الفلسطينية.
عدم تمثيل الصهيونية لليهودية العالمية
حيث يرفض قطاع واسع من اليهود اختزال هويتهم في مشروع استيطاني.
خامساً: لماذا لم تتحقق “العودة” اليهودية الشاملة؟
تكشف التجربة التاريخية أن:
يهود العالم، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، وجدوا أوطانهم حيث يعيشون،
بينما تحولت “إسرائيل” إلى مركز قوة لا إلى وطن جامع.
وهذا يفضح تناقض الصهيونية:
مشروع يحتاج إلى التمويل والدعم السياسي أكثر من حاجته إلى الاستيطان البشري الحقيقي.
سادساً: فشل اليمين الصهيوني وفلسفة الإقصاء
راهنت الصهيونية اليمينية على:
الطرد،
الإبادة،
كسر المقاومة،
إنهاء الرموز الوطنية الفلسطينية.
لكن النتيجة كانت:
تعاظم الهوية الفلسطينية،
انكشاف إسرائيل أخلاقياً وسياسياً،
تحوّل فائض القوة إلى عبء وجودي.
فالقوة غير المؤطَّرة بالعدالة تُنتج مقاومة، لا سلاماً.
سابعاً: العدالة كشرط أنطولوجي للسلام
تخلص الدراسة إلى أن السلام على مكان واحد ممكن نظرياً، لكنه مشروط بـ:
تفكيك الصهيونية كأيديولوجيا إحلالية،
الاعتراف بالوجود الفلسطيني الأصيل،
إعادة تعريف المكان كفضاء للحق لا للهيمنة.
فالسلام لا يُبنى على الإخضاع، بل على العدالة بوصفها أساس الوجود المشترك.
خاتمة
إن الصراع الصهيوني–الفلسطيني هو صراع بين:
وجود طبيعي متجذر في المكان،
ووجود قلق قائم على القوة.
وما دام الفلسطيني متمسكاً بالمكان كهوية ومعنى، فإن الصهيونية ستبقى مشروعاً مأزوماً، عاجزاً عن إنتاج سلام دائم.
فالعدالة وحدها هي جوهر السلام،
والمكان لا يقبل الزيف طويلاً.
المراجع (References)
Edward Said, The Question of Palestine, Vintage Books, 1992.
Patrick Wolfe, Settler Colonialism and the Elimination of the Native, Journal of Genocide Research, 2006.
Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism, Harcourt Brace, 1973.
Martin Heidegger, Being and Time, Harper & Row, 1962.
Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld, 2006.
Rashid Khalidi, Palestinian Identity, Columbia University Press, 1997.
Maxime Rodinson, Israel: A Colonial-Settler State?, Monad Press, 1973.
فايز الصايغ، الصهيونية: دراسة نقدية، مركز الأبحاث – بيروت.
عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، المركز العربي للأبحاث.






