جاري التحميل...

الصمود له ثمن… فمن يدفع فاتورته؟

محافظة سلفيت… الصمود تحت الجرافة

في محافظة سلفيت، لم يعد هدم منزل أو منجرة أو بركس دواجن خبرًا استثنائيًا، بل أصبح واقعًا يتكرر في دير بلوط، والزاوية، ورافات، وكفر الديك، وبروقين، واسكاكا، وقراوة بني حسان ، فهذه البلدات الواقعة بمعظمها في المناطق المصنفة (ج) تعيش يوميًا بين إخطارات الهدم، ومصادرة الأراضي، وتقييد البناء، واستهداف المنشآت الاقتصادية .
وعندما تصل جرافات الاحتلال، فإنها لا تهدم جدرانًا فقط، بل تهدم سنوات من التعب، ومدخرات العمر، ومصدر رزق لعائلة كاملة، وتترك خلفها أطفالًا بلا بيت، وأصحاب مشاريع بلا عمل، وأسرًا تبحث عن مأوى جديد في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
وبعد أن تغادر جرافات الاحتلال، تبدأ المأساة الحقيقية.
أين ستنام الأسرة الليلة؟
من سيدفع إيجار المنزل البديل؟
كيف سيعود صاحب المنجرة إلى عمله؟
ومن يعوض مربي الدواجن عن خسارته؟
ومن أين سيؤمن المزارع زيت عائلته؟

الاحتلال يهدم… والمواطن يدفع الثمن كله

لا خلاف على أن المسؤول عن الهدم هو الاحتلال، لكن الواقع يقول إن المواطن الفلسطيني هو من يتحمل كامل الفاتورة، يدفع ثمن البناء.
ويدفع ثمن الهدم.
ثم يدفع ثمن الإيجار.
ثم يبدأ من الصفر، إن استطاع.
إنها معادلة قاسية يتحملها المواطن وحده، في وقت تتزايد فيه الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
الهدم لا يستهدف الحجر… بل الإنسان والاقتصاد
حين تُهدم منجرة، يخسر صاحبها عمله. وحين يُهدم بركس دواجن، تتوقف دورة إنتاج كاملة. وحين يُهدم منزل، تبدأ رحلة جديدة من المعاناة؛ إيجار منزل، وأثاث جديد، وأعباء مالية ونفسية لا تقل قسوة عن الهدم نفسه.
والمؤلم أن المواطن يتحمل الخسارة كاملة، بينما لا يحصل على تعويض، ولا على مسكن مؤقت، ولا حتى على دعم يساعده في تجاوز الكارثة.

إذا كنا ندعو إلى الصمود… فهل وفرنا مقوماته؟

منذ سنوات، تؤكد الحكومات الفلسطينية رفضها لسياسات الاحتلال في مناطق (ج)، وتشجع المواطنين على البناء والاستثمار والتمسك بأرضهم باعتبار ذلك جزءًا من معركة الصمود، وهذا موقف وطني مفهوم، لكن الصمود ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل هو أيضًا كلفة اقتصادية واجتماعية يتحملها المواطن.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي الخوف من طرحه:
إذا كنا نشجع المواطن على البناء في مناطق (ج)، فهل من واجبنا الوطني أن نوفر له شبكة أمان إذا فقد بيته أو مشروعه؟
أليس من حق الأسرة التي فقدت منزلها أن تجد مأوى مؤقتًا؟
أليس من حق صاحب المشروع الذي هُدمت منشأته أن يحصل على دعم يساعده على النهوض من جديد؟
هذه ليست دعوة لإعفاء الاحتلال من مسؤوليته، بل دعوة إلى تعزيز الجبهة الداخلية، حتى لا يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة آثار الهدم.

من ردود الفعل إلى سياسة وطنية

لقد آن الأوان للانتقال من الاكتفاء ببيانات الإدانة إلى بناء سياسة وطنية لحماية المتضررين، من خلال إنشاء صندوق وطني لإسناد الأسر والمنشآت المتضررة في مناطق (ج)، يساهم في توفير سكن مؤقت، ودعم إيجارات، ومساندة المشاريع الإنتاجية الصغيرة، وإعادة تأهيل الأسر التي فقدت مصدر رزقها، إن مثل هذا الصندوق يعتبر استثمار في بقاء الإنسان على أرضه.

محافظة سلفيت تقول: الصمود يحتاج إلى شراكة

ما يحدث في بلدات محافظة سلفيت ليس مجرد أحداث متفرقة، بل صورة مصغرة لما يواجهه الفلسطيني في مناطق (ج)،فالصمود الحقيقي لا يعني أن نطلب من المواطن أن يبقى، بل أن نمنحه القدرة على البقاء، لا أن نصفق له وهو يبني، ثم نتركه وحده عندما يُهدم، ولا أن نطالبه بالثبات، ثم نتركه يبحث عن بيت بالإيجار، أو عن عمل بعد أن خسر مصدر رزقه، فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل تُحمى حين يشعر المواطن أن وطنه يقف معه في أصعب لحظاته.
الصمود له ثمن… وإذا كان المواطن هو من يدفعه وحده، فإن الوقت قد حان لنسأل: كيف نجعل هذا الثمن مسؤولية وطنية مشتركة؟

الصمود مسؤولية وطنية مشتركة

إن حماية الأرض لا تنفصل عن حماية الإنسان، فلا يمكن مطالبة المواطن بالبقاء في أرضه، بينما يواجه وحده خسارة بيته ومصدر رزقه ومستقبل أطفاله.
في محافظة سلفيت، حيث تتكرر عمليات الهدم في دير بلوط، والزاوية، ورافات، وكفر الديك، وبروقين، واسكاكا، وقراوة بني حسان، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة بناء منظومة وطنية حقيقية لحماية المتضررين.
فالصمود ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سياسة تُترجم إلى إجراءات، وعندما يشعر المواطن أن وطنه يقف إلى جانبه بعد الهدم، يصبح أكثر قدرة على إعادة البناء، وأكثر إيمانًا بأن التمسك بالأرض مسؤولية يتقاسمها الجميع، لا عبئًا يُترك على كتفيه وحده.