دراسة تحليلية
أستاذ علم الاجتماع والفلسفة
لم يكن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجرد صراع على الأرض بالمعنى الجغرافي، بل كان صراعاً على المعنى والوجود والهوية والمقدس. فالصهيونية منذ بداياتها أدركت أن بناء مشروعها الاستيطاني لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على تأسيس “مقدس” يربط الأرض بالعقيدة، والتاريخ بالنبوءة، والسياسة بالدين، لتتحول فلسطين في العقل الصهيوني إلى مركز وجودي يمنح الاحتلال شرعية ميتافيزيقية.
لقد نجحت الصهيونية في تحويل الرواية الدينية إلى مشروع سياسي واستراتيجي وعسكري، وربطت المجتمع الإسرائيلي بالمقدس بوصفه عنصراً من عناصر البقاء والاستمرارية. فالمستوطن لا يرى نفسه مجرد مواطن، بل حارساً لعقيدة، وجندياً في مشروع يعتبره مقدساً.
وفي مقابل ذلك، جاءت حركة فتح كثورة وطنية فلسطينية صنعت مقدسها الوطني الخاص، القائم على الشهادة والكفاح المسلح والتضحية والتحرير. لقد أعادت فتح الفلسطيني من حالة اللجوء والانتظار إلى حالة الفعل التاريخي، وأعادت بناء الإنسان الفلسطيني بوصفه مقاوماً يحمل بندقيته دفاعاً عن وطنه وكرامته.
في زمن ياسر عرفات ورفاقه؛ خليل الوزير وصلاح خلف وهايل عبد الحميد، كانت فتح تؤسس ما يمكن تسميته “علم الثورة الفلسطينية”، حيث تجاوزت التفسيرات الأسطورية والدينية والفلسفية، لتصوغ معرفة وطنية صارمة تحدد علاقة الفلسطيني بعدوه والعالم وذاته والآخرين. كانت الثورة حالة وجودية، لا مجرد موقف سياسي.
لقد كانت الشهادة في الفكر الفتحاوي جزءاً من المقدس الوطني، وكان الكفاح المسلح جوهر الهوية الفتحاوية، لذلك تحولت فتح إلى مدرسة نضالية صنعت ثقافة وطنية كاملة، وجعلت من الشهيد رمزاً للكرامة الفلسطينية.
غير أن التحولات التي شهدتها الحركة في زمن محمود عباس أحدثت تغيرات عميقة في البنية الثورية لحركة فتح. فقرار إلغاء الكفاح المسلح لم يكن مجرد تحول سياسي، بل مساساً مباشراً بجوهر الهوية الفتحاوية نفسها.
فتح لا تسير ولا تنمو ولا تتقدم إلا بالكفاح المسلح، لأنه يمثل مرتكزها الوجودي والتاريخي. وعندما يُسلب من فتح سلاحها، تُسلب منها شرعية بقائها واستمرارها كثورة تحرر وطني. فهي لم تعد “ثورة حتى النصر”، ولم تعد صاحبة الشعارات التي تمجد الشهداء، لأنها أفرغت نفسها من مفهوم الشهادة والتضحية، ومن كل تجليات المشهد النضالي.
لقد انتقل الإنسان الفتحاوي، في كثير من الحالات، من الثورة إلى السلطة، ومن البندقية إلى المنصب، ومن مشروع التحرير إلى مشروع الامتيازات والمكاسب الشخصية. أُعطي الكثيرون مواقع ومميزات مادية عالية جعلتهم يدافعون عن استمرار هذه الامتيازات، أكثر مما يدافعون عن الوطن نفسه.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ إذ إن هذه التحولات لم تمس البنية التنظيمية لفتح فقط، بل أعادت تشكيل الإنسان الفتحاوي نفسه من الداخل. فتم تفكيك وعيه الثوري، وإبعاده عن ثقافة الشهادة والمواجهة، ليصبح جزءاً من حالة انتظار طويلة تحت عنوان “السلام” و”الاستقرار”.
لقد أصبحت فتح تعيش زمن الثورة دون ثورة، وتحمل شعارات التحرير دون أدوات التحرير. وتحولت الحركة، في نظر كثيرين، من مشروع للتحرر الوطني إلى مصدر اغتراب وهيمنة داخلية، وأداة سيطرة أكثر من كونها أداة مقاومة.
كما أن التهميش الذي تعرض له العديد من الوطنيين داخل الحركة ساهم في إضعاف بنيتها الفكرية والتنظيمية، حتى بدا وكأن مساحات فتح لم يعد فيها متسع حقيقي للوطنيين الأحرار الذين ما زالوا يؤمنون بأن الحركة جاءت لتحرير فلسطين لا لإدارة الأزمة الفلسطينية.
إن فتح اليوم مطالبة بأن تتذكر تاريخها الكبير وعقولها المؤسسة، وأن تستعيد فلسفة الثورة لا فلسفة السلطة. فالثورات التي تفقد مقدساتها الوطنية تتحول إلى هياكل جامدة بلا روح، وتفقد قدرتها على إلهام الجماهير وصناعة المستقبل.
وفي هذا السياق يمكن استحضار مقولة فرانسيس بيكون:
“حين يكون المجتمع كالخراف، فإنه سيخلق لنفسه حكاماً من الذئاب.”
إن الشعوب التي تفقد روح المقاومة والوعي الوطني تصبح أكثر قابلية للخضوع والتبعية، بينما تبقى الأمم الحية هي القادرة على حماية مقدساتها الوطنية وصناعة مشروعها التحرري.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام حركة فتح:
هل تستعيد روحها الثورية الأولى، أم تستمر في الابتعاد عن مقدسها الوطني الذي صنع مجدها التاريخي؟







