السياسي – أفاد جنود احتياط إسرائيليون ونشطاء حقوقيون، إلى جانب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، بأن وحدات في الجيش الإسرائيلي مكوّنة حصريًا من مستوطنين باتت تعمل فعليًا كـ”ميليشيات أهلية” مسلحة، تقود وتشارك في عمليات تهجير قسري للفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، في تحوّل وصفه مراقبون بأنه خطير وبنيوي.
وأُنشئت وحدات “الدفاع الإقليمي” المعروفة باسم “هاغمار” على نطاق واسع في الضفة الغربية المحتلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزامنًا مع انتقال أعداد كبيرة من جنود الجيش النظامي والمجندين للقتال في قطاع غزة.
وبموجب هذا الترتيب، منحت السلطات الإسرائيلية آلاف المستوطنين السلاح والصلاحيات العسكرية، وشُكّلت وحدات مسلحة داخل المستوطنات نفسها. ورغم أن الدولة تدفع رواتب عناصر “الهاغمار” رسميًا، فإن هذه الوحدات تعمل عمليًا بالتوازي مع الكتائب النظامية، مع ضوابط محدودة على استخدام القوة أو طبيعة المهام.
يعقوب (اسم مستعار)، وهو جندي احتياطي خدم في الضفة الغربية عام 2024، وصف وحدات “الهاغمار” بأنها “ميليشيات مسلحة تفعل ما يحلو لها”.
وقال، طالبًا عدم الكشف عن هويته: “رسميًا هم تحت إمرة قائد الكتيبة ونائبه، لكن على أرض الواقع يتمتعون بحرية تصرف كاملة. القيادة العليا تتجاهل الحوادث ولا تستجيب لأي أوامر”.
وأوضح أن وحدته كانت تُستدعى مرارًا إلى مواقع احتكاك بعد بلاغات من نشطاء إسرائيليين يدعمون الفلسطينيين، ليجدوا في كثير من الأحيان جنود احتياط من المستوطنين موجودين بالفعل في المكان، بل ويشاركون أحيانًا في الهجمات.
وأضاف: “في أغلب الأحيان، كانت الحاخامات تصل قبلنا. أحيانًا نصل معهم، ونادرًا ما نسبقهم. وعندما يصلون، إما لا يتدخلون، أو يقفون إلى جانب المستوطنين”.
بحسب شهادات الجنود، شهدت الضفة الغربية أعمال عنف شبه يومية شملت تخريب منازل وأشجار ومحاصيل زراعية، سرقة ماشية، ترهيب مسلح، واستخدامًا متهورًا للأسلحة.
وفي مناطق أخرى، تورطت وحدات “الهاغمار” في اعتداءات أشد خطورة، بينها استشهد رجل فلسطيني مسن العام الماضي، ودهس فلسطيني آخر بمركبة رباعية الدفع.
وقال نداف وايمان، المدير التنفيذي لمنظمة “كسر الصمت”: “نظام الهاغمار أنشأ ما يمكن اعتباره ميليشيات استيطانية داخل صفوف الجيش الإسرائيلي نفسه. هؤلاء الجنود مدفوعون بأيديولوجية عنيفة، ويتمتعون بكامل صلاحيات الجيش النظامي لتطبيق هذه الأيديولوجيا على الأرض”.
في المقابل، أقرّ الجيش الإسرائيلي بوقوع “بعض الحوادث” التي لم يلتزم فيها جنود احتياط “الهاغمار” بالمعايير المطلوبة، لكنه قال إنهم “لا يمثلون الغالبية”، مشيرًا إلى إعفاء بعض الجنود وفتح تحقيقات جنائية في حالات محدودة.
وأفادت منظمة “يش دين” الحقوقية بأن جنودًا إسرائيليين وُجهت إليهم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 اتهامات بثلاث جرائم عنف وثلاث جرائم ضد الممتلكات في الضفة الغربية. وخلال الفترة نفسها، استشهد أكثر من ألف فلسطيني على يد القوات الإسرائيلية، فيما يعود آخر توجيه اتهام بالقتل ضد جندي إسرائيلي إلى عام 2019.
ورغم وجود تاريخ طويل من التعاون بين المستوطنين والجيش، يرى مراقبون أن الانتشار الواسع لوحدات المستوطنين شكّل تحولًا نوعيًا.
ويقول يهودا شاؤول، المدير المشارك لمركز أبحاث “أوفيك” والمؤسس المشارك لمنظمة “كسر الصمت”: “بعد 7 أكتوبر 2023، أصبح الجيش والمستوطنون كيانًا واحدًا. لم يعد هناك مجال للحديث عن منطقة عازلة أو تواطؤ صامت. نحن أمام اندماج كامل”.
وأضاف أن هذا التحول يفسر الارتفاع الحاد في التهجير القسري. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح 29 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل منذ أكتوبر 2023، بمعدل يزيد عن تجمع واحد شهريًا، مقارنة بأربعة تجمعات فقط خلال عام 2022 والأشهر التسعة الأولى من 2023.
وحذرت الأمم المتحدة من أن “ظاهرة المستوطنين الجنود” تزيد من غموض الخط الفاصل بين عنف الدولة وعنف المستوطنين، خصوصًا مع تناوب عناصر “الهاغمار” بين الزي العسكري والملابس المدنية.
وقال جندي احتياطي ثانٍ، موشيه*، خدم في الضفة عام 2025: “في الضفة، يوجد خليط مربك من الأشخاص: بعضهم بزي عسكري كامل، وبعضهم بزي جزئي أو ملابس مدنية مع أسلحة طويلة”.
وفي حادثة موثقة، طالب عضو “الهاغمار” إلياشيف ناحوم ناشطات دوليات في مسافر يطا بإبراز جوازات سفرهن وهو بملابس مدنية، ثم ارتدى زيه العسكري وأكد عبر قائد عسكري أنه “جندي وله السلطة”.
وقد خففت الحكومة الإسرائيلية قوانين ترخيص السلاح، وقال المتطرف إيتمار بن غفير إن نحو 120 ألف قطعة سلاح وُزعت على “مواطنين إسرائيليين” خلال عام الحرب الأول.
ويؤكد جنود احتياط أن هذا الواقع صعّب حتى على القوات النظامية تحديد التسلسل القيادي أو معرفة من يمتلك صلاحية الاعتقال.
وعليه تشير الشهادات والبيانات إلى أن وحدات “الهاغمار” لم تعد مجرد تشكيلات احتياطية، بل تحولت إلى أداة مركزية في تصعيد العنف والتهجير في الضفة الغربية، ضمن واقع يتلاشى فيه الفاصل بين الجيش النظامي والمستوطنين، وتُمنح فيه ميليشيات استيطانية غطاءً رسميًا وسلطة شبه مطلقة على الأرض.






