الضم بلا إعلان: المزارع الرعوية الإسرائيلية وتغيير الجغرافيا الفلسطينية

د. راسم بشارات

 دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين

 

تكشف الخريطة الاستيطانية الجديدة التي ظهرت مؤخرا وأصدرتها جهات استيطانية إسرائيلية تحت عنوان “الاستيطان الريادي في يهودا والسامرة – 5785″، عن مرحلة غير مسبوقة من التوسع الاستيطاني الرعوي في الضفة الغربية، فيما يبدو أنه مشروع متكامل لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع سياسية جديدة على الأرض قبل أي تسوية مستقبلية. الخريطة، التي توثق إقامة أكثر من 200 بؤرة ومزرعة رعوية استيطانية، لا تمثل مجرد عمل دعائي للمستوطنين، بل تعتبر وثيقة استراتيجية تعكس طبيعة التحول العميق في أدوات السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

الخريطة تعود إلى عام 5785 وفق التقويم العبري، أي ما بين أواخر 2024 وأواخر 2025، وتحمل شعار ما يسمى جمعية التلال الريادية الاستيطانية، بينما جرى تداولها عبر منصات ومجموعات مرتبطة بما يعرف بشبيبة التلال وما يطلق عليه المستوطنين تسمية مديرية تلال جبهة المواجهة، وهي أطر استيطانية تنشط في دعم إقامة البؤر الرعوية وتوسيعها في الضفة الغربية. وتظهر في الخريطة دعوات صريحة لمواصلة التوسع وعدم التوقف حتى تحقيق ما تصفه هذه الجماعات بـ “أرض إسرائيل الكاملة”، في دلالة واضحة على البعد العقائدي والسياسي للمشروع.

اللافت في الخريطة أنها لا تعرض مستوطنات تقليدية بالمعنى المعروف، بل شبكة واسعة من المزارع الرعوية المنتشرة على قمم الجبال وفي الأغوار والمناطق المفتوحة. ويعتمد هذا النموذج على إقامة بؤر صغيرة جدا، قد تضم أحيانا مستوطنا واحدا أو عائلة واحدة مع قطيع من الأغنام أو الأبقار، لكنها تتحول عمليا إلى أداة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية المحيطة. فالرعي الاستيطاني لا يقتصر على النشاط الزراعي، بل يستخدم كوسيلة لفرض النفوذ ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم ومراعيهم ومواردهم المائية.

وتكشف قراءة الخريطة أن هذه البؤر موزعة بعناية جغرافية مدروسة. ففي شمال الضفة الغربية، تنتشر المزارع الرعوية في محيط جنين ونابلس وسلفيت، بينما تتركز في الوسط حول رام الله والقدس ومحيط الطرق الالتفافية الاستراتيجية. أما جنوبا، فتظهر كثافة كبيرة للبؤر في مناطق الخليل ومسافر يطا والأغوار، وهي المناطق التي تشكل العمق الزراعي والرعوي الأهم للفلسطينيين. ويبدو واضحا أن الهدف ليس فقط التوسع الاستيطاني، بل خلق أحزمة فصل وعزل بين المدن والقرى الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب منفصلة وغير مترابطة.

تكمن خطورة هذا النموذج في أنه يختلف عن الاستيطان التقليدي الذي كان يعتمد على البناء الكثيف والمشاريع الحكومية الواضحة. إذ أن المزارع الرعوية منخفضة الكلفة وسريعة التوسع، كما أنها تستفيد من حالة الغموض القانوني والدعم غير المباشر الذي توفره مؤسسات الدولة الإسرائيلية، سواء عبر الحماية العسكرية أو البنية التحتية أو التغاضي الرسمي. وبذلك، أصبح الاستيطان الرعوي أداة “ضم زاحف” أكثر فاعلية من المستوطنات الكبيرة، لأنه يسيطر على المساحات المفتوحة ويمنع الفلسطينيين من استخدامها دون الحاجة إلى إعلان رسمي بالضم، وهو ما حذرت منه منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة مرارا وتكرارا.

في المقابل، تكتسب تصريحات رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، الصادرة بتاريخ ٢٠٢٥/٣/٢٩ ، أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب الخريطة التي أصدرتها ما تسمى جمعية التلال الريادية الاستيطانية، لأنها تكشف بالأرقام حجم التحول الذي تشهده الضفة الغربية من احتلال عسكري تقليدي إلى منظومة سيطرة جغرافية متكاملة. حيث ذكر بيان الهيئة أن إسرائيل باتت تسيطر على 2382 كيلومترا مربعا من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل 42% من مجمل مساحتها و70% من المنطقة المصنفة “ج”، وهذا لا يعكس فقط حجم المصادرات الرسمية، بل يوضح أيضا كيف أصبحت أدوات السيطرة الاستيطانية المختلفة تعمل ضمن مشروع واحد لإعادة تشكيل الأرض الفلسطينية.

وتبرز الخريطة الأخيرة كترجمة ميدانية مباشرة لهذه الأرقام، إذ تظهر الانتشار الكثيف للبؤر والمزارع الرعوية في المناطق المفتوحة والحيوية من الضفة الغربية، خصوصا في الأغوار والقدس ومحيط رام الله وجنوب الخليل. وهذا يعني أن الاستيطان الرعوي لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح أحد أهم الأدوات المستخدمة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المنطقة “ج”، وهي المنطقة التي تمثل الخزان الجغرافي والزراعي والموارد الطبيعية الأساسية لأي دولة فلسطينية مستقبلية.

وفي السياق نفسه، افاد المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية، بناءا على توثيقات المنظمة، بأن الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية لا تقتصر على الاعتداءات المباشرة التي تستهدف السكان وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، بل تشمل أيضا نمطا متصاعدا من التوسع الاستيطاني التدريجي الذي يبدأ بإجراءات تبدو محدودة وبسيطة في ظاهرها، إلا أنها تحمل أبعادا استراتيجية خطيرة على الوجود الفلسطيني ومستقبل الأراضي الفلسطينية.

وأوضح مليحات أن المنظمة رصدت خلال الفترة الماضية قيام مجموعات من المستوطنين بنصب خيام، ووضع بيوت متنقلة (كرفانات)، وإقامة حظائر للأغنام في مواقع مختلفة ضمن محافظات نابلس والخليل ورام الله والأغوار والقدس، مشيرا إلى أن هذه الخطوات تمثل المرحلة الأولى من مخطط يهدف إلى تثبيت وجود استيطاني دائم على الأراضي الفلسطينية، مضيفا أن هذه المنشآت المؤقتة تستخدم عادة كنواة لإنشاء بؤر استيطانية جديدة، حيث يبدأ الاستيلاء على الأراضي من خلال تواجد محدود لعدد من المستوطنين ومواشيهم، ثم يتوسع تدريجيا عبر فرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومراعيهم، وإحاطة المناطق المستهدفة بالأسوار، وصولا إلى تحويلها مع مرور الوقت إلى تجمعات استيطانية ثابتة تحظى بالبنية التحتية والحماية العسكرية والدعم الحكومي الإسرائيلي.

وأكد مليحات أن الخيام والكرفانات لم تعد مجرد منشآت مؤقتة، بل أصبحت أداة عملية لفرض وقائع جديدة على الأرض، تسهم في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتغيير طبيعة استخدامها، بما يعزز التوسع الاستيطاني ويقوض حقوق الفلسطينيين في أراضيهم ومصادرة مواشيهم.

وتكشف المقارنة بين المعطيات الرسمية الفلسطينية والخريطة الاستيطانية أن المشروع الجاري على الأرض يتجاوز حدود المستوطنات التقليدية. فإسرائيل لا تكتفي بالسيطرة على الكتل الاستيطانية الكبرى أو الطرق الالتفافية أو المناطق العسكرية، بل تعمل على ملء الفراغ الجغرافي عبر المزارع الرعوية والبؤر الصغيرة التي تفرض نفوذا واسعا على محيطها. وبهذا تتحول السيطرة من مجرد احتلال لنقاط محددة إلى إحكام قبضة على المجال الحيوي الفلسطيني بأكمله.

كما أن الرقم المتعلق بالسيطرة على 70% من المنطقة المصنفة “ج” يحمل دلالات سياسية خطيرة، لأن هذه المنطقة تشكل العمق الاستراتيجي للضفة الغربية من حيث:

●       التوسع العمراني،

●       الزراعة والرعي،

●       الموارد المائية،

●       الاتصال الجغرافي بين المدن الفلسطينية،

●       وإمكانية إقامة بنية تحتية سيادية مستقبلاً.

ومع انتشار أكثر من 200 بؤرة ومزرعة رعوية، تصبح السيطرة الإسرائيلية أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتراجع، إذ يجري خلق وقائع ميدانية متشابكة يصعب فصلها أو تفكيكها في أي تسوية سياسية مستقبلية. فالمزارع الرعوية، رغم بساطة شكلها، تؤدي دورا حاسما في منع الفلسطينيين من استخدام الأراضي المفتوحة، وتحويل القرى والتجمعات البدوية والزراعية إلى مناطق محاصرة ومعزولة.

ويشير حديث شعبان أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الأرقام المعلنة تتوقف عند نهاية آذار 2025، ما يعني أن مساحة السيطرة الفعلية مرشحة للارتفاع أكثر بعد ذلك التاريخ، خاصة مع استمرار وتيرة إنشاء البؤر الرعوية بصورة شبه أسبوعية، وفق ما تعلنه الجهات الاستيطانية نفسها. وهذا يعزز الانطباع بأن الضفة الغربية تشهد حاليا واحدة من أسرع مراحل إعادة رسم الخريطة الجغرافية منذ احتلال عام 1967.

ومما تجدر الإشارة اليه، أن هذه السيطرة لا تقاس فقط بعدد المباني أو المساحات المسورة، بل بمناطق النفوذ التي تفرض بالقوة. ففي كثير من الحالات، تمنع مجموعات المستوطنين الفلسطينيين من الرعي أو الزراعة أو الوصول إلى الينابيع والطرق الزراعية، مستخدمة العنف والترهيب بحماية الجيش الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، تتحول الحياة اليومية للفلسطينيين في تلك المناطق إلى حالة استنزاف دائم تدفعهم إلى الرحيل القسري التدريجي. ولهذا تصف منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية ما يجري بأنه تهجير صامت يهدف إلى إفراغ المناطق الريفية الفلسطينية من سكانها دون قرارات تهجير رسمية.

الخريطة تكشف أيضا تحولا مهما في طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والمستوطنين. ففي العقود الماضية، كانت الحكومات الإسرائيلية تحاول الإبقاء على مسافة شكلية بينها وبين بعض البؤر غير القانونية. أما اليوم، فإن التداخل بين المؤسسات الرسمية والحركات الاستيطانية أصبح أكثر وضوحا، سواء من خلال الحماية الأمنية أو تمويل البنية التحتية أو شرعنة البؤر تدريجيا. وبات واضحاً أن المزارع الرعوية لم تعد مجرد مبادرات فردية، بل جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل الضفة الغربية جغرافيا وسياسيا.

سياسيا، تحمل هذه التطورات تداعيات عميقة على مستقبل القضية الفلسطينية. فالتوسع الرعوي لا يهدد فقط الأراضي الزراعية، بل يقوض أساس أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. ومع انتشار البؤر في المناطق المفتوحة، خاصة الأغوار ومحيط القدس وجنوب الخليل، يصبح من الصعب تصور حدود فلسطينية متماسكة أو سيطرة فلسطينية على الموارد الطبيعية والمعابر والامتداد الزراعي.

كما أن هذا النمط من الاستيطان يفرض واقعا جديدا على الأرض يتجاوز اتفاقيات أوسلو وتقسيمات المناطق المصنفة “أ” و”ب” و”ج”. فبينما تواصل السلطة الفلسطينية إدارة تجمعات سكانية مكتظة ومعزولة، يجري فعليا نقل السيطرة على المساحات المفتوحة والموارد الاستراتيجية إلى المشروع الاستيطاني. وهذا يعزز تدريجيا نموذج “الكانتونات الفلسطينية” على غرار نظام فصل عنصري، أي تجمعات منفصلة تفتقر إلى السيادة والاستقلال الاقتصادي والجغرافي.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن الضفة الغربية تتجه نحو واحدة من ثلاث نتائج محتملة: إما ضم إسرائيلي فعلي وغير معلن لمعظم المنطقة “ج”، أو تصاعد المواجهة الميدانية نتيجة الاحتكاك المتزايد بين الفلسطينيين والمستوطنين، أو انهيار نهائي لفكرة “حل الدولتين” لصالح واقع دولة واحدة غير متساوية الحقوق. وفي جميع هذه السيناريوهات، سيكون الفلسطينيون أمام تحدٍ وجودي يتعلق ليس فقط بفقدان الأرض، بل بفقدان القدرة على بناء كيان سياسي مستقل في المستقبل.

بهذا المعنى، فإن الخريطة الجديدة ليست مجرد توثيق لانتشار بؤر رعوية، بل إعلان سياسي وجغرافي عن مرحلة جديدة من الصراع على الضفة الغربية. مرحلة تستخدم فيها التلال والمراعي والقطعان كأدوات لإعادة رسم الحدود والسيادة، وتحويل الاحتلال من سيطرة عسكرية مؤقتة إلى واقع استيطاني دائم يصعب التراجع عنه مع مرور الزمن.

ولهذا، فإن أخطر ما في الاستيطان الرعوي لا يتمثل في حجمه العمراني المحدود، بل في قدرته على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية والسيطرة على المساحات المفتوحة الواسعة. فهذا النمط من الاستيطان يعمل على إحكام السيطرة على الفراغ الجغرافي في الضفة الغربية، ويؤدي تدريجيا إلى قطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض، كما يمنع أي توسع عمراني أو زراعي فلسطيني مستقبلي في المناطق الحيوية. ومع مرور الوقت، تفرض هذه البؤر والمزارع وقائع ميدانية جديدة تمهد لضم فعلي طويل الأمد دون الحاجة إلى إعلان سياسي رسمي، عبر خلق شبكة سيطرة متصلة تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة في أي تسوية مستقبلية.