السياسي – تثير قرارات التقشف الأخيرة وتوسيع الجباية والضرائب في العراق قلقًا متصاعدًا بين المواطنين، في وقت يواجه فيه البلد ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة تراجع أسعار النفط وارتفاع النفقات التشغيلية، ما يضع حكومة تصريف الأعمال أمام خيارات مالية صعبة تنعكس مباشرة على السوق والمعيشة اليومية للمواطنين.
واتخذت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني سلسلة إجراءات متلاحقة، تضمنت رفع التعرفة الجمركية على السلع المستوردة بنسبة تتراوح بين 5 و30%، وفرض ضريبة بنسبة 20% على تعبئة رصيد الهاتف النقال وخدمات الإنترنت، إضافةً إلى إعادة هيكلة بعض الرسوم الخدمية.
وجاءت هذه الخطوات في سياق مساع حكومية لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليص العجز المالي، في بلد يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من إيرادات موازنته العامة.
أين البدائل؟
وفي هذا السياق، أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً حذر فيه من المضي في سياسات تقشفية تمس معيشة المواطنين، معتبراً أن “الأزمة المالية الحالية ليست نتاج تقلبات أسعار النفط وحدها، بل نتيجة تراكم سياسات مالية فاشلة، والاعتماد على الاقتصاد الريعي، واستشراء الفساد وسوء إدارة الموارد”.
ودعا الحزب إلى “بدائل تقوم على مكافحة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب وامتيازات الدرجات العليا، وفرض سيطرة الدولة على المنافذ الحدودية، وعدم تحميل الشرائح محدودة الدخل تبعات العجز المالي”.
وتكشفت المؤشرات الرسمية عن حجم التحدي المالي الذي يواجهه العراق، فالعجز المالي مرشح لتجاوز 15 تريليون دينار، في ظل نفقات تشغيلية شهرية تقترب من 9 تريليونات دينار، تمثل رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية الجزء الأكبر منها.
كما تشير بيانات البنك المركزي إلى ارتفاع الدين الداخلي إلى أكثر من 90 تريليون دينار، مقابل دين خارجي يقترب من 13 مليار دولار.
وفي قراءة أوسع للمشهد، قال باحث مصرفي ومالي إن “العراق يواجه تحدياً اقتصادياً غير مسبوق، مرتبطاً بتراجع أسعار النفط واحتمالات وصولها إلى حدود 50 دولاراً للبرميل، ما قد يقلص الإيرادات النفطية بما لا يقل عن 25 %خلال عام واحد”.
وأوضح أن “هذا التراجع يضع الاقتصاد الريعي أمام اختبار حقيقي، في ظل اعتماد شبه كامل على النفط وعدم وجود بدائل جاهزة لتعويض النقص”.
وأضاف أن “الحكومة شرعت فعلياً بتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتفعيل أنظمة جمركية صارمة لضبط الهدر والتلاعب بالفواتير”، مشيراً إلى “وجود فجوة كبيرة بين حجم الحوالات الخارجية التي بلغت نحو 80 مليار دولار، وقيمة البضائع المستوردة التي لم تتجاوز 40 مليار دولار، ما يكشف اختلالات مزمنة في النظام التجاري والجمركي”.
ومنذ سنوات تحذر أوساط اقتصادية عراقية من تضخم الإنفاق التشغيلي، واتساع التوظيف الحكومي بوصفه “محركاً” دائماً للعجز، لا سيما مع اعتماد الموازنة على النفط كمصدر شبه وحيد للتمويل.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، توسعت الحكومة في التعيينات على نطاق واسع، إذ جرى استيعاب نحو مليون موظف جديد في مؤسسات الدولة، أضيفوا إلى قاعدة كبيرة تضم ملايين الموظفين والمتقاعدين، فضلاً عن شرائح واسعة تتقاضى رواتب شبكة الإعانة الاجتماعية.
وهذا التوسع رفع الكتلة الشهرية المخصصة للرواتب ومعاشات التقاعد والرعاية الاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل النفقات التشغيلية هي البند الأثقل في الحسابات العامة، مقابل رقم محدود للإنفاق الاستثماري والمشاريع الإنتاجية القادرة على توليد موارد مستدامة.
وبرغم الموارد الهائلة التي يمتلكها العراق، ولا سيما عائداته النفطية الكبيرة، يرى مختصون أن جذور الأزمة لا تكمن في شح الموارد بقدر ما ترتبط بسوء الإدارة المزمن، واتساع مساحات الهدر والاختلاسات، وتغليب منطق المحاصصة والمحسوبية في إدارة المال العام.
ويشير هؤلاء إلى أن جزءاً كبيراً من الإيرادات يُستهلك عبر توزيعات سياسية واقتصاديات أحزاب تحولت إلى منظومات موازية داخل الدولة.
وتسود الشارع الاقتصادي في العراق حالة من القلق والترقب، على وقع الخلافات السياسية المتواصلة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، بالتزامن مع إجراءات جمركية ومالية أربكت حركة السوق، كما أدى تطبيق التعرفات الجمركية الأخيرة وآليات الجباية الجديدة إلى توقف شبه تام في بعض مفاصل الاستيراد، ولا سيما عبر المنافذ البرية.







