العقل بين النحت والإهمال: سؤال المصير في الواقع العربي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس العقل معطًى مكتملاً يولد مع الإنسان، بل مادة أولى، خامة قابلة للتشكيل، كالحجر قبل يد النحّات، أو الخشب قبل أن يقرّر الإنسان إن كان سيصنع منه مهداً أم نعشاً. وفي هذا المعنى، لا يكون العقل العربي استثناءً من القاعدة الكونية، بل هو أحد أكثر العقول تعرّضاً لسوء الصنعة أو الإهمال المتعمّد. فإمّا أن يُنحَت وعياً حرّاً، أو يُترك عمداً في حالته الخام ليُستثمر قمعاً، ويُعاد توظيفه أداة طاعة بدل أن يكون أفق فهم.
لقد عاش العقل العربي طويلًا في منطقة الالتباس بين المعرفة والإيمان، بين السؤال والمحظور، بين التفكير بوصفه خطراً والتلقّي بوصفه فضيلة. ومع تراكم القرون، لم تعد المشكلة في فقر الموارد العقلية أو انعدام التراث، بل في آليات التعامل مع هذا التراث نفسه: هل نقرأه بوصفه نصّاً مفتوحاً على التأويل، أم نُحنّطه كيقين مغلق يُمنَع الاقتراب منه؟ فحين يتحوّل التراث من مادة تفكير إلى سلطة، يصبح العقل أسيرًا لما كان ينبغي أن يكون زاداً له.
في الواقع العربي المعاصر، لا يُقمع العقل دائماً بالقوة الصريحة، بل يُستثمر بذكاء في منظومات الطاعة. يُدرَّب منذ الطفولة على الحفظ لا على الفهم، وعلى الإجابة لا على السؤال، وعلى الخوف من الخطأ لا على جرأة المحاولة. وهكذا ينشأ عقلٌ يعرف كثيراً، لكنه لا يجرؤ على أن يفكّر، ويملك لغة واسعة، لكنه يفتقد الجرأة على استعمالها خارج القوالب المسموح بها. إنّه عقل مُثقَل بالمسلمات، مُنهَك من التفكير في حدود ما لا يجب التفكير فيه.
وحين يُترك العقل خاماً، لا يبقى بريئاً؛ بل يصبح مادة سهلة التشكيل في يد السلطة، أيًّا كان شكلها: سياسية، دينية، اجتماعية، أو حتى إعلامية. فالعقل غير المُنحوت وعياً لا يقاوم الخطاب الجاهز، ولا يشكّك في الصورة المصنوعة، ولا يميّز بين الحقيقة والدعاية. عندئذ، لا يعود القمع بحاجة إلى السوط؛ يكفيه أن يعيد إنتاج نفسه عبر العقول التي تعلّمت الطاعة حتى وهي تظنّ أنها تختار.
والسؤال المؤلم: إلى أين يتّجه الواقع العربي في ظل هذا الإهمال المزمن للعقل؟ إنّ أزمات السياسة والاقتصاد والهوية ليست إلا أعراضاً لمرض أعمق: غياب مشروع واعٍ لنحت العقل. فالأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات، بل بعمق الأسئلة؛ ولا تُبنى بالمقدّس المُستهلَك، بل بالمعنى الذي يُعاد اكتشافه. وكل إصلاح لا يبدأ من العقل محكوم عليه أن يكون ترقيعاً مؤقّتاً، سرعان ما تبتلعه أول عاصفة.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من شقوق ضوء. فثمة عقول عربية تحاول النحت في الصخر، تعي أن الوعي ليس ترفاً فكرياً، بل شرط نجاة. هذه العقول تدفع أثماناً باهظة: تهميشاً، تخويناً، نفياً رمزياً أو فعلياً. لكنها تدرك أن البديل عن الوعي ليس الاستقرار، بل الركود؛ وليس الوحدة، بل القطيع؛ وليس الهوية، بل قناعًا هشّاً سرعان ما يتشقق عند أول اختبار تاريخي.
إنّ السؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك العرب عقلًا قادراً على النهوض؟ بل: هل نملك الشجاعة لنحت هذا العقل، حتى لو تكسّرت بعض الأصنام في الطريق؟ فالعقل الذي يُنحَت وعياً قد يخطئ، لكنه يتعلّم؛ أمّا العقل الذي يُترك خاماً، فهو لا يخطئ فقط، بل يُستَخدم ضد نفسه. وبين هذين المصيرين، يقف الواقع العربي عند مفترق حاسم: إمّا مشروع إنسان يرى في العقل أفقًا للتحرّر، أو استمرار في تدوير الخشب ذاته لصناعة مزيد من الأقفاص.
وفي النهاية، يبقى العقل هو الرهان الأخير. فإن نُحِت وعيًا، صار التاريخ قابلًا لإعادة الكتابة؛ وإن تُرِك خامًا، أعاد التاريخ نفسه بوجوه أشدّ قسوة. والواقع العربي، اليوم، لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى جرأة السؤال الأولى: ماذا نصنع بعقولنا… قبل أن تُصنَع بنا؟