جاري التحميل...

الغارديان: مطلوبون بجرائم يتحدون العالم ويقدمون المواعظ الأخلاقية

السياسي – وصفت الكاتبة نسرين مالك في جريدة الغارديان مشهد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي حضرته الأسبوع الماضي بالمأساة.

فمع أن اجتماعات المؤسسة الدولية ليست دائما مثيرة للاهتمام، لكن اجتماع هذا العام جسد عالما مضطربا وأزمة وقانونا دوليا وهيكلا تنظيميا يتداعى، وآلة إنسانية تعمل فوق طاقتها وتقترب من الانهيار.

وما جرى لم يكن اجتماعا للتوصل إلى حلول، بل استعراضا للقوة والإحباط والانقسام.

وأضافت في مقال في صحيفة “الغارديان” البريطانية أن الاجتماع جسّد لقطات لكتب التاريخ عن أربع حروب ضخمة مزعزعة للاستقرار، يبدو أنه لا سبيل لحلها، ولا رغبة في ذلك، وهي أوكرانيا وإيران وفلسطين والسودان.

فقد قدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سردا لخمس سنوات من الحرب مع روسي، وتحدث عن الخسائر الفادحة في الأرواح ومئات الآلاف من القتلى في الجانبين، وضعف العقوبات المفروضة على روسيا، و”جنون” كل ذلك. أما دونالد ترامب فقد هدد مجددا “بإبادة” إيران إذا لم تبرم اتفاقا، وهو وعد تكرر أكثر من مرة لدرجة أن إعادة ترديده لا تظهر إلا زيفه.

وردّ الرئيس الإيراني، مسعود بيزشكيان، في خطابه قائلا إن إيران ضحية للإرهاب والعدوان الأمريكي، وستدافع عن نفسها بكل قوة، مما دفع ممثل الوفد الأمريكي الوحيد في القاعة للانسحاب.

وفي خضم هذا العداء الجامح وغير اللائق، تم الدوس على الحقائق، كما هو واضح، بدافع التعطش للسلطة.

ورفضت أمريكا منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس (وهو زعيم لا تلاحقه مذكرة اعتقال دولية كنتنياهو) إلى جانب 80 مسؤولا فلسطينيا آخرين تأشيرات حضور للمرة الثانية في عهد ترامب. كما رفضت منح تأشيرة لرئيس الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية، الخصمين لقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، في إشارة واضحة إلى نجاح المناورات الإماراتية في واشنطن.

وتعلق مالك أن هذه الديناميكيات كانت تعبيرا عن كيفية إدارة السياسة الخارجية والصراعات اليوم، مع التلاعب المستمر بالنظام لترجيح كفة طرف على حساب الآخر وتحقيق نتائج ترضي القوى الإقليمية والعالمية.

وقالت إن توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، كان في وسط هذا الانهيار، حاضرا، ينتقل بنشاط من اجتماع إلى آخر، بروح معنوية عالية وتفاؤل لا يلين. ونشر سلسلة من مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث فيها عما يمكن فعله وسط هذه الأزمة، في نوع من الرسائل الدبلوماسية التي توحي بأن الأمور على ما يرام. ونسأل الله له التوفيق.

وفي أحد المقاطع، يظهر وهو يسير مع ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يتحدث عن مشكلة “تراكم الأزمات”. يقول فليتشر: “يكمن الحل في كثير مما نقوم به في الدبلوماسية، فتح تلك المعابر الحيوية، باب المندب والبحر الأسود، ومضيق هرمز، لأنه لولا ذلك لكان لدينا عبء أكبر بكثير على الصعيدين التنموي والإنساني”.

وقالت مالك إن فليتشر يمثل جيلا جديدا للعاملين الدوليين والإنسانيين  الذين يتكيفون مع تخفيضات التمويل وقلة الاهتمام بالسلام والوقف المسيس للمساعدات الدولية، للحفاظ على تدفق الأموال على الأقل. ولضمان وصول بعض الدعم إلى الملايين الذين يعانون من ويلات الحرب وأزمة المناخ والأمراض والفقر والجوع والنهب. وستستمر الحروب والاستراتيجية الآن هي التفاوض مع القوى العظمى لفتح قنوات الوصول إلى الإمدادات والإغاثة، بدءا من المساعدات الشتوية في غزة وصولا إلى احتواء تفشي وباء الإيبولا.

وتعتقد أن الوضع الراهن لا يقتصر على دبلوماسيين جادين وقوى متناحرة ساخرة وغير مسؤولة، بل نحن نقف أمام مشكلة أكثر تعقيدا ألا وهي الطبيعة المتغيرة بسرعة للصراع العسكري نفسه، فقد أصبحت الحروب أقل قابلية للاحتواء بشكل كبير مع انتشار الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة وتطورها وانخفاض تكلفتها. مشيرة إلى أن هذه الحروب تدار الآن عن بعد وتتراوح بين هجمات شديدة ومنخفضة الحدة، مما يجعل بداياتها ونهاياتها أقل حسما. فمن الممكن تعطيل الحياة الطبيعية باستخدام طائرات مسيرة يمكن الاستغناء عنها، كتلك التي شلت حركة الخليج في انتظار رد إيران على الهجمات الأمريكية، وحرب السودان دون خط جبهة واضح، و”وقف إطلاق النار” في غزة الذي هو في جوهره هجوم منخفض الحدة.

وتلخص تجربتها في حضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026 بأنها كانت بمثابة دراسة في جوانب عديدة، من  تدهور القانون الدولي والنظام الهش الذي ورثناه وتسارع انهيار المجتمع الدولي وأهمية اتخاذ قرار بشأن رعاية الضحايا.

وقالت إننا ندخل أيضا حقبة يواجه فيها المتحاربون أنفسهم في حرب غير متكافئة ووضع راهن متقلب.

وعلقت قائلة إن الحديث يكثر: ماذا بعد؟ هل هو توازن بين قوى متوسطة الحجم ضمن تحالف أم قطيعة مع الولايات المتحدة وداخل حلف الناتو أم فوضى عارمة؟

وتجيب بالقول إننا نحن البشر نميل إلى التفكير في سيناريوهات واضحة المعالم. لكن الأرجح هو ما تجلى الأسبوع الماضي في نيويورك، أي حالة فوضوية مستمرة ومتوترة دائما تحت قيادة قادة مهملين ويشعرون بالنشوة بما يمكنهم عمله ويعرفون أنهم قادرون على الإفلات من العقاب، دون أي خطة للخروج. فيما لا يملك من تبقى داخل النظام خيارا إلا العمل معهم أو الالتفاف حولهم للتخفيف من عواقب أفعالهم. وبالمحصلة فالنظام العالمي الجديد هو نظام استسلام فعلي.