الفتحاوي ذو البعد الواحد: دراسة تحليلية في فلسفة التفكيك عند الرئيس محمود عباس

بقلم: د. صالح الشقباوي

أستاذ علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة

مقدمة
يُعد مفهوم “الإنسان ذو البعد الواحد” من أهم المفاهيم النقدية التي قدمها الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد. فقد رأى أن الأنظمة الحديثة تمتلك القدرة على إنتاج إنسان فقد طاقته النقدية، وأصبح أسيراً لمنظومة اقتصادية وسياسية وثقافية تحدد له ما يفكر فيه وما يرغب به وما يعتبره ممكناً أو مستحيلاً.
وفي الحالة الفلسطينية، يمكن توظيف هذا المفهوم تحليلياً لفهم بعض التحولات التي شهدتها حركة حركة فتح والسلطة الفلسطينية في عهد الرئيس محمود عباس، خاصة في ضوء منهجه السياسي القائم على مركزية القرار، والتفاوض، وإعادة تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني ضمن أطر محددة سلفاً.
لا تهدف هذه الدراسة إلى إصدار أحكام سياسية، بل إلى قراءة فلسفية نقدية لآليات إنتاج الوعي السياسي الفلسطيني، واستكشاف العلاقة بين السلطة والمعرفة واللغة والاقتصاد في تشكيل الإنسان الفتحاوي المعاصر.
أولاً: من معارضة التفرد إلى ممارسته
عرف الرئيس محمود عباس في سنوات طويلة من تاريخه السياسي باعتباره أحد الأصوات التي انتقدت مركزية القرار داخل حركة فتح، خاصة خلال مرحلة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وقد دعا في أكثر من مناسبة إلى تعزيز العمل المؤسسي وإشراك الهيئات القيادية في صناعة القرار.
غير أن المفارقة السياسية تكمن في أن الرجل الذي انتقد التفرد بالقرار وجد نفسه لاحقاً في موقع المنتج له. وهنا يظهر ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بـ”دوران السلطة”، حيث يتحول الناقد أحياناً إلى ممارس للآليات نفسها التي كان يعارضها، لأن السلطة لا تُمارس فقط من قبل الأفراد، بل تعيد تشكيل الأفراد أنفسهم.
ومن هنا تصبح السلطة الفلسطينية، في هذا التحليل، ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل منظومة تنتج خطاباً سياسياً جديداً وتعيد تعريف الممكن والمستحيل في الوعي الفلسطيني.
ثانياً: التفكيك بوصفه منهجاً سياسياً
عند استدعاء فلسفة جاك دريدا حول التفكيك، لا يُقصد بها الهدم أو الإلغاء، بل الكشف عن البنى الخفية التي تتحكم بالنصوص والخطابات.
وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى تجربة محمود عباس باعتبارها محاولة لإعادة تعريف المفاهيم المؤسسة للوعي الفلسطيني:
مفهوم الثورة.
مفهوم الكفاح المسلح.
مفهوم التحرير.
مفهوم الدولة.
مفهوم المقاومة.
مفهوم العلاقة مع إسرائيل.
لقد جرى الانتقال التدريجي من مركزية الثورة إلى مركزية الدولة، ومن فكرة التحرير الشامل إلى فكرة التسوية السياسية، ومن منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الصراع.
وهكذا تم تفكيك الكثير من البنى الفكرية التقليدية داخل الوعي الفتحاوي وإعادة تركيبها ضمن منظومة سياسية جديدة.
ثالثاً: آليات إنتاج الفتحاوي ذي البعد الواحد
يرى ماركوز أن النظام الحديث لا يفرض هيمنته بالقوة فقط، بل من خلال إنتاج الحاجات والوعي واللغة.
وفي الحالة الفلسطينية يمكن الحديث عن أربع آليات رئيسية:
1. الاقتصاد والراتب
أصبح الراتب أحد أهم أدوات الضبط الاجتماعي. فالموظف المرتبط بالمؤسسة يصبح أكثر ميلاً إلى الاستقرار وأقل ميلاً إلى المغامرة السياسية.
وهنا تتحول الوظيفة من وسيلة عيش إلى آلية لإعادة إنتاج الولاء السياسي.
2. اللغة والخطاب
اللغة ليست وسيلة للتعبير فقط، بل أداة لتشكيل الواقع.
فالمفردات التي تُستخدم يومياً تحدد ما يمكن التفكير فيه. وعندما تصبح مفاهيم مثل “الاستقرار” و”بناء المؤسسات” و”الحفاظ على المكتسبات” هي اللغة السائدة، فإنها تعيد صياغة الإدراك الجمعي للفلسطيني.
وهذا ما أشار إليه فوكو حين ربط المعرفة بالسلطة وربط السلطة بإنتاج الحقيقة.
3. المؤسسة البيروقراطية
تتحول المؤسسة إلى فضاء يعيد إنتاج نفسه باستمرار، بحيث يصبح الحفاظ عليها هدفاً بحد ذاته.
وهنا يفقد الإنسان قدرته على التفكير خارج حدود المؤسسة.
4. التكنولوجيا والفضاء الرقمي
أصبحت وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات لإنتاج الوعي وتوجيهه وإعادة تشكيله.
فالتكنولوجيا الحديثة لا تنقل المعرفة فقط، بل تحدد أنماط الاستهلاك الفكري والسياسي، وتعيد إنتاج السرديات المهيمنة بصورة مستمرة.
رابعاً: البعد الواحد وإلغاء التعددية
يؤكد ماركوز أن أخطر ما في الإنسان ذي البعد الواحد أنه يفقد قدرته على النقد.
فهو لا يرى البدائل، ولا يتخيل إمكانات جديدة، بل يتعامل مع الواقع القائم باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وفي السياق الفلسطيني يظهر ذلك عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى تهديد، وتصبح الرؤية الواحدة هي الإطار الوحيد المقبول للتفكير.
وهنا تتراجع الجدلية الخلاقة التي كانت تشكل إحدى أهم خصائص حركة فتح في مراحلها الأولى، عندما كانت ساحة مفتوحة للنقاش والتعدد والاجتهاد.
خامساً: كانط والتحرر من الوصاية
دعا الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الإنسان إلى التحرر من الوصاية الفكرية عبر استخدام عقله بحرية.
وكان شعاره الشهير: “لتكن لديك الشجاعة لاستعمال عقلك.”
ومن هذا المنظور فإن أي مشروع وطني يحتاج إلى مواطن يمتلك القدرة على التفكير الحر، لا مجرد إعادة إنتاج ما يُطلب منه قوله أو اعتقاده.
فالحرية السياسية تبدأ من حرية العقل.
خاتمة
إن الفلسطيني، في جوهره التاريخي والوجودي، لم يكن يوماً إنساناً ذا بعد واحد. فقد تشكل وعيه عبر الثورة والمنفى والعودة والمقاومة والحلم والألم والذاكرة.
إنه كائن متعدد الأبعاد، يحمل في داخله جدلية المكان والزمان، وجدلية الحق والقوة، وجدلية الوطن والدولة، وجدلية المقاومة والسلام.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المشروع الوطني الفلسطيني لا يكمن فقط في بناء المؤسسات أو إدارة السلطة، بل في الحفاظ على الإنسان الفلسطيني بوصفه إنساناً حراً، قادراً على النقد والسؤال والاختيار.
فكل مشروع وطني يفقد قدرته على إنتاج الإنسان الحر يتحول تدريجياً إلى مشروع لإدارة الواقع لا لتغييره.
ويبقى السؤال الفلسفي مفتوحاً: هل يستطيع الفلسطيني أن يستعيد تعدديته النقدية الخلاقة، أم أن منطق البعد الواحد سيستمر في إعادة إنتاج نفسه داخل البنية السياسية الفلسطينية؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد مستقبل الوعي الفلسطيني ومستقبل المشروع الوطني برمته.
د. صالح الشقباوي
أستاذ علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة
جامعة الجزائر 2 – أبو القاسم سعد الله.