بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
ليس الفساد دائماً مالاً يُختلس من خزينة، أو صفقةً تُبرم في عتمة المكاتب، أو رشوةً تُدسّ في يد موظف. ثمة فساد أعمق وأشد فتكاً، يبدأ في الفكرة قبل السلوك، وفي العقل قبل المؤسسة، وفي منظومة القيم قبل أن يظهر في دفاتر الحسابات. وحين يترسخ هذا الفساد في الوعي العام، يصبح الفساد المادي مجرد نتيجة طبيعية لبنية فاسدة أوسع منه.
ومن أخطر صور هذه البنية ما يمكن تسميته «الفساد الزبوني»؛ أي ذلك النظام غير الرسمي الذي تُوزَّع فيه المنافع والامتيازات والفرص على أساس الولاء والعلاقة الشخصية والقرب من مراكز النفوذ، بدلاً من الكفاءة والاستحقاق والقانون. وفي هذه الحالة لا يعود القانون قاعدةً عامة تحكم الجميع، بل يتحول، في الممارسة، إلى مساحات متفاوتة بحسب موقع الفرد من شبكة المصالح.
إن خطورة الفساد الزبوني لا تكمن فقط في الأموال التي تضيع، وإنما في المعنى الذي يزرعه في المجتمع: أن الوصول لا يحتاج إلى كفاءة، وأن النجاح لا يتطلب بالضرورة جهداً، وأن الطريق الأقصر إلى الوظيفة أو العقد أو المنصب أو الامتياز هو معرفة الشخص المناسب والاقتراب من الجهة المناسبة. وعندما تتحول هذه القاعدة غير المكتوبة إلى ثقافة اجتماعية، يبدأ المجتمع في فقدان ثقته بفكرة العدالة نفسها.
فالفساد، في جوهره، ليس انحرافاً فردياً فحسب؛ إنه خلل يصيب العلاقة بين السلطة والقانون والمجتمع. وحين تصبح الوظيفة العامة مكافأةً للموالين، والعقد الاقتصادي امتيازاً للمقربين، والموقع الإداري أداةً لتوسيع شبكة النفوذ، فإن المؤسسة تفقد وظيفتها الأصلية، ويتحول الموظف من خادم للمصلحة العامة إلى حارس لمصالح جماعة محددة.
وهنا يظهر الفساد الفكري بوصفه البيئة التي تبرر الفساد السلوكي. فالمجتمع الذي يجري فيه تزييف المفاهيم، وتبرير المحسوبية باعتبارها «فزعة» أو «خدمة» أو «معرفة»، يصبح أكثر قابلية للتعايش مع اختلالات خطيرة في منظومة الحكم والإدارة والاقتصاد. وتصبح اللغة نفسها شريكاً في صناعة الفساد؛ إذ يجري أحياناً تجميل الامتياز غير المشروع بمفردات براقة مثل التطوير والتحديث والاستثمار والإصلاح، بينما تُخفى خلفها مصالح ضيقة لا تخضع للرقابة الكافية.
ولا يقل خطر الإعلام في هذه المعادلة عن خطر المال. فحين تتحول بعض المنابر إلى أدوات للتلميع والتبرير، وحين تختلط المعلومة بالدعاية، والنقد بالتشهير، والتحقيق بالتصفية، يفقد المجتمع إحدى أهم أدوات الرقابة على السلطة والثروة. وفي عصر الشاشات والمنصات الرقمية، لم تعد صناعة الوعي حكراً على الصحيفة أو التلفزيون؛ فقد أصبح الهاتف المحمول فضاءً مفتوحاً تتصارع فيه الحقيقة مع التضليل، والمعرفة مع الشائعة، والتحليل مع الانفعال.
غير أن تحميل الإعلام وحده مسؤولية الفساد الفكري سيكون تبسيطاً للمشكلة؛ لأن جذورها أعمق من ذلك. إنها ترتبط بمستوى شفافية المؤسسات، واستقلال آليات الرقابة، ووضوح قواعد تضارب المصالح، وعدالة الوصول إلى الفرص، وفاعلية القضاء، وقدرة المجتمع على مساءلة أصحاب القرار. وكلما ضعفت هذه الأدوات، اتسعت المساحة التي تستطيع فيها شبكات المصالح أن تتحرك بعيداً عن الرقابة.
والفساد الزبوني لا ينتج طبقةً مستفيدة فحسب، بل يصنع أيضاً طبقةً واسعة من المحبطين. فالمواطن الذي يرى أن الكفاءة لا تكفي، وأن القانون لا يطبَّق بالقدر نفسه على الجميع، وأن الفرص تُوزَّع خارج معايير الاستحقاق، قد يفقد الدافع إلى الاجتهاد والعمل. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية: حين يصبح الفساد عائقاً أمام الطموح، لا أمام المال وحده.
ومن أخطر نتائج ذلك ضرب الإدارة العامة في صميم قدرتها على التخطيط والتنمية. فالمؤسسة التي تُدار وفق الولاءات لا تستطيع أن تنتج القرار الأكثر كفاءة بالضرورة، لأنها تصبح أسيرةً لموازين النفوذ. وعندما تُقصى الخبرة لصالح المحاباة، وتتقدم العلاقات على الكفاءة، تتحول الدولة تدريجياً من جهاز ينتج السياسات العامة إلى جهاز يعيد إنتاج شبكات المصالح.
كما أن ارتباط بعض المصالح الاقتصادية القوية بمراكز القرار يمكن أن يخلق اختلالاً في المنافسة، خصوصاً عندما لا تكون قواعد السوق والشفافية والمشتريات العامة وتضارب المصالح واضحة وقابلة للتطبيق على الجميع. وفي هذه البيئة قد تنشأ مصالح خاصة تستفيد من موارد عامة أو امتيازات استثنائية، بينما تتحمل قطاعات واسعة من المجتمع كلفة ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إن مقاومة الفساد الزبوني لا تبدأ بالشعارات، ولا تنتهي بتغيير الأشخاص وحده؛ بل تبدأ من إعادة بناء القاعدة التي تقول إن الدولة ملك لمواطنيها جميعاً، وإن الوظيفة العامة مسؤولية وليست غنيمة، وإن القانون لا يعرف القرابة ولا الصداقة ولا الولاء السياسي أو الشخصي.
وهذا يتطلب مؤسسات رقابية فاعلة، وإجراءات شفافة في التعيين والتعاقد، وإتاحة المعلومات، وحماية من يكشف المخالفات وفق القانون، وتجريم تضارب المصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع المال العام لمعايير واضحة يمكن للمواطن والصحافة والمؤسسات المختصة مراقبتها.
لكن الإصلاح المؤسسي وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه إصلاح في الثقافة العامة. علينا أن نعيد الاعتبار إلى قيمة العمل والكفاءة والنزاهة، وأن نتوقف عن تحويل المحسوبية إلى فضيلة اجتماعية تحت أي اسم. فالشخص الذي يطلب «واسطة» لغير المستحق، والمسؤول الذي يمنح الامتياز لصديقه، والمؤسسة التي تغض الطرف عن المخالفة، جميعهم يشاركون، بدرجات مختلفة، في إعادة إنتاج البيئة نفسها.
إن أخطر ما يفعله الفساد الزبوني أنه لا يسرق المال فقط؛ إنه يسرق فكرة العدالة من الوعي، ويستبدل دولة القانون بدولة العلاقات، والاستحقاق بالولاء، والمصلحة العامة بالمصلحة الخاصة.
وعندما يصل الفساد إلى هذه المرحلة، يصبح الإصلاح أكثر من مجرد معركة ضد الرشوة والاختلاس؛ يصبح معركة من أجل استعادة معنى الدولة نفسها.
فالدولة القوية ليست التي تكثر فيها المكاتب واللوائح والشعارات، وإنما التي يشعر فيها المواطن أن القانون يحميه، وأن الفرصة لا تُشترى، وأن الكفاءة لا تُهان، وأن المال العام ليس ملكاً لمن يملك مفتاح الخزينة، بل أمانة في ذمة من أُوكلت إليه مسؤولية إدارته.
وحين يستقيم ميزان الاستحقاق، يبدأ انحسار الفساد؛ وحين يصبح القانون أقوى من الواسطة، تستعيد المؤسسة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته بأن مستقبله لا يحتاج إلى باب خلفي كي يدخل من الباب الأمامي للوطن.