في زمنٍ انقلب فيه اليمين الصهيوني المتطرف على كل معاني السلام والعيش المشترك، وعلى كل إمكانية لبناء مستقبل تتعايش فيه دولتان وشعبان على أرض واحدة، يدخل الفلسطيني مرحلة جديدة من صراعه التاريخي: مرحلة الدفاع عن الكينونة ذاتها.
لم يعد الصراع بالنسبة للفلسطيني مجرد صراع على حدود أو جغرافيا أو موارد، بل أصبح صراعاً على الحق في الوجود، وعلى الحق في أن يكون الفلسطيني فلسطينياً، وأن يبقى حاضراً في المكان الذي وُلد فيه، وأن يحافظ على ذاكرته وهويته وتاريخه.
إن اليمين الصهيوني المتطرف، بقيادة بنيامين نتنياهو وبتحالفه مع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يتعامل مع الوجود الفلسطيني باعتباره وجوداً زائداً، وعائقاً ينبغي إزالته من الطريق. وفي هذا التصور تتحول الأرض من فضاء مشترك يمكن أن يتسع لشعبين إلى ملكية أحادية مغلقة، ويتحول الإنسان الفلسطيني من صاحب حق تاريخي إلى مشكلة ينبغي التخلص منها.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: فالحرب لا تستهدف الحجر وحده، ولا المدن وحدها، وإنما تستهدف إمكانية استمرار الفلسطيني كذات تاريخية وسياسية وإنسانية.
حرب على الكينونة
حين يصبح الإنسان مهدداً في بيته، ومدينته، وذاكرته، ومكانه، فإن الحرب تتحول من حرب عسكرية إلى حرب على الكينونة.
لكن المفارقة الكبرى أن كل محاولة لإلغاء الفلسطيني أنتجت نقيضها: مزيداً من التمسك بالهوية، ومزيداً من الارتباط بالأرض، ومزيداً من الوعي بالذات.
فالفلسطيني في غزة، وفي نابلس وجنين ورام الله والقدس وبيت لحم، لا يدافع فقط عن منزل أو شارع أو حقل؛ إنه يدافع عن معنى وجوده ذاته.
وهنا يصبح الصمود فعلاً فلسفياً قبل أن يكون فعلاً سياسياً؛ لأنه يعني أن الذات الفلسطينية ترفض أن تتحول إلى «عدم»، وترفض أن يقنعها الآخر بأنها طارئة على المكان أو زائدة عليه.
إن انتصار الفلسطيني الحقيقي يبدأ من هذه النقطة: أن يقول أنا موجود، ولذلك أنا صاحب حق في الوجود.
الانتصار على «عدم الذات»
إن مفهوم «عدم الذات» هنا ليس مجرد غياب مادي، بل هو محاولة لإقناع الإنسان بأنه لا يمتلك حقاً في أن يكون، وأن وجوده التاريخي يمكن محوه بالقوة.
غير أن التاريخ الفلسطيني أثبت أن الإنسان الذي يُدفع إلى حافة العدم يستطيع أن يعيد إنتاج ذاته من جديد.
فمن بين الركام تولد الذاكرة، ومن بين الألم يولد الإصرار، ومن بين محاولات الإزاحة تولد قوة التمسك بالمكان.
ولهذا فإن معركة الفلسطيني اليوم ليست فقط مع من يريد اقتلاعه من أرضه، وإنما أيضاً مع الفكرة التي تريد تحويله إلى «آخر» بلا تاريخ، وبلا حق، وبلا مستقبل.
وهنا تتجلى قوة الكينونة الفلسطينية: إنها كينونة قاومت النكبة، والاقتلاع، واللجوء، والحروب، والاحتلال، وما زالت قادرة على إعادة إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
اليمين الصهيوني وهزيمته الداخلية
والمفارقة التاريخية أن اليمين الصهيوني، رغم رفعه من وتيرة الحرب والقتل والدمار ومحاولات الإزاحة المنظمة للفلسطينيين، يعيش في الوقت ذاته أزمة عميقة داخل نسقه السياسي والفكري.
فالقوة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على استخدام السلاح، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج مشروع سياسي قابل للحياة.
واليمين الصهيوني المتطرف، حين يجعل من الحرب الدائمة منهجاً، ومن الإقصاء سياسة، ومن إنكار الآخر قاعدة، فإنه لا يهزم الفلسطيني وحده، بل يضعف الأسس التي يمكن أن يقوم عليها مستقبل إسرائيل نفسها.
إن التطرف عندما يتحول إلى عقيدة سياسية مغلقة يبدأ، في نهاية المطاف، بأكل ذاته من الداخل.
ومن هنا يمكن قراءة التحولات الجيو-استراتيجية والسياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة باعتبارها مؤشرات على أن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة. فربما تفتح المرحلة المقبلة الطريق أمام قوة إسرائيلية جديدة تؤمن بأن الأمن لا يتحقق بالإلغاء، وأن السلام ليس تنازلاً عن الوجود، وأن الاعتراف بالفلسطيني ليس هزيمة إسرائيلية، بل شرطاً لبقائها واستقرارها.
وقد يأتي زمن يصبح فيه اليمين الصهيوني المتطرف، بأفكاره وسياساته وشخصياته، جزءاً من الماضي السياسي الإسرائيلي، ويُلقى به إلى مزابل التاريخ، بينما تظهر قوى إسرائيلية جديدة أكثر إدراكاً لحقيقة الجغرافيا والتاريخ: أن فلسطين لا يمكن أن تكون وطناً لشعب واحد بإلغاء شعب آخر.
فلسطين: حين تتحول الأرض إلى ذاكرة
لقد حاول المشروع الصهيوني أن يعيد تعريف المكان، وأن يفصل الفلسطيني عن أرضه، وأن يجعل التاريخ ملكاً لرواية واحدة.
لكن الفلسطيني قاوم هذا المشروع بأقوى سلاح يمتلكه الإنسان: الذاكرة.
فالقرية الفلسطينية ليست مجرد قرية، والمدينة ليست مجرد مدينة، والبيت ليس مجرد بناء. إنها أجزاء من ذاكرة جمعية تتوارثها الأجيال.
ولهذا لم تستطع النكبة أن تنهي فلسطين، ولم يستطع الاحتلال أن ينهي الفلسطيني، ولم تستطع الحروب أن تمحو العلاقة بين الإنسان والمكان.
إن الفلسطيني يحمل وطنه في ذاكرته، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بحقه في أن يكون وطنه حاضراً في واقعه.
الخاتمة: الصمود يهزم الأسطورة
في النهاية، فإن المشروع الصهيوني المتطرف، مهما امتلك من قوة عسكرية، لا يستطيع أن يهزم حقيقة تاريخية بسيطة: أن الفلسطيني ولد على هذه الأرض، وأنه ارتبط بها وجودياً، وأن محاولات اقتلاعه منها لم تستطع اقتلاع فلسطين من وعيه.
لقد تحطمت الكثير من الأساطير على صخور الصمود الفلسطيني.
تحطمت أسطورة أن الفلسطيني سيرحل.
وتحطمت أسطورة أن الزمن كفيل بإلغاء هويته.
وتحطمت أسطورة أن القوة تستطيع وحدها أن تصنع التاريخ.
فالفلسطيني في غزة، ونابلس، وجنين، ورام الله، والقدس، وبيت لحم، وفي كل مدن وقرى فلسطين، يقول للتاريخ: أنا هنا.
وهذه الـ«هنا» ليست مجرد كلمة مكانية؛ إنها إعلان عن الكينونة.
إنها انتصار الذات على العدم، وانتصار الوجود على محاولة الإلغاء.
فالفلسطيني لم يولد على هذه الأرض مصادفة، ولم يصنع علاقته بها قرار سياسي عابر، بل تشكلت كينونته من ترابها وذاكرتها وأشجارها ومدنها وقراها.
ولهذا فإن المعركة الأخيرة ليست معركة من يملك القوة الأكبر، وإنما معركة من يستطيع أن يبقى.
والفلسطيني، بكل ألمه وصموده، يقول بوضوح:
ولدتُ على هذه الأرض، وسأبقى عليها، وسأموت عليها، ولن أرحل.
وهنا تحديداً يبدأ سقوط كل مشروع يقوم على فكرة إلغاء الآخر، ويبدأ انتصار الكينونة الفلسطينية على عدم الذات.