بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
لم تكن الفلسفة، منذ نشأتها، مجرد تراكم من المفاهيم والنظريات، ولا نسقاً مغلقاً من الإجابات الجاهزة، وإنما كانت في جوهرها فعلاً نقدياً يضع المسلّمات تحت طائلة السؤال، ويعيد النظر في ما يبدو بديهياً ومستقراً. ومن هنا، فإن علاقتها بالسلطة لم تكن يوماً علاقة عابرة؛ إذ كلما تحولت المعرفة إلى مؤسسة مغلقة، أو احتكرتها نخبة تدّعي امتلاك الحقيقة، نشأ السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحاً: من يملك حق تعريف العقل؟ ومن يحدد حدود المعرفة؟ ومن يمنح بعض الخطابات صفة العلمية والموضوعية، ويحجبها عن خطابات أخرى؟
إن الإشكالية، في هذا السياق، لا تتعلق بالفلسفة ذاتها، بل بالكيفية التي يمكن أن تتحول بها المعرفة الفلسفية، حين تتماهى مع المؤسسات والنخب، من أداة لتحرير الوعي إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة العلاقة بين الفلسفة والنخب العقلانية البيروقراطية، لا بهدف رفض العقل أو المؤسسة، وإنما للكشف عن اللحظة التي يتحول فيها العقل من وسيلة للنقد إلى أداة للضبط، وتتحول المؤسسة من فضاء لتنظيم المعرفة إلى سلطة تحدد ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي استبعاده.
لم تكن قراءتنا للفلسفة يوماً قراءة سطحية أو عابرة، بل كانت، وما زالت، تمريناً معرفياً عميقاً يتقاطع مع جوهر الوجود الإنساني، ومع الحقول المختلفة للسلطة والوعي. وتمضي الرؤية الفلسفية، ولا سيما في سياقنا العربي، إلى ملامسة ما أنتجته النخب الفكرية والعقلانية، وإعادة مساءلة هذا الإنتاج في ضوء تحولات الفكر والسياسة والهوية. غير أن الإشكالية لا تكمن في الفلسفة ذاتها، بل في بعض النخب التي تتولى صياغتها وتمثيلها، وتؤسس، من خلالها، خطاباً سلطوياً متوارياً خلف رداء العقلانية البيروقراطية.
لقد ظل مفهوم «النخب» موضع مساءلة فلسفية وأكاديمية ومعرفية منذ بدايات تشكله، لا بوصفه وصفاً اجتماعياً محايداً، بل باعتباره، في بعض السياقات، بنية قادرة على مأسسة المعرفة وإعادة إنتاج التراتب الطبقي والرمزي داخل المجتمعات. وهذه النخب، سواء كانت فكرية أو أكاديمية أو بيروقراطية، قد تقدم نفسها بوصفها ناطقة باسم «العقل» و«الحق» و«القانون»، مستندة إلى ما يمكن تسميته بـ«العقلانية المؤسسية»، التي قد تتحول، حين تفقد بعدها النقدي، إلى بنية تستبعد الهامش وتضيّق مساحة التعدد.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى النخب العقلانية البيروقراطية، في بعض صورها داخل الفضاء العربي والعالمي، بوصفها متقاطعة مع بنى السلطة السياسية والإدارية؛ إذ قد تتحول المعرفة، حين تدخل في شبكة المصالح المؤسسية، إلى أداة لتبرير السياسات القائمة وتأطيرها ضمن خطابات تبدو عقلانية ومحايدة، بينما تحمل، في بعض الأحيان، افتراضات أيديولوجية ضمنية تؤثر في طريقة تشكيل الوعي الجمعي وتحديد ما يعدّ معرفة مشروعة وما يُدفع إلى الهامش.
إن خطورة هذه البنية لا تكمن في وجود النخب والمؤسسات في حد ذاته، فالمجتمع الحديث لا يستطيع الاستغناء عن الخبرة والمؤسسات والتخصص، وإنما تكمن في لحظة يتحول فيها التخصص إلى احتكار، والخبرة إلى وصاية، والمنهج إلى سلطة تمنع السؤال بدلاً من أن تحميه. عندئذٍ ينشأ نوع من الاغتراب الفلسفي والمعرفي، تجد فيه الفئات الاجتماعية نفسها أمام مفاهيم مجردة ومؤسسات أكاديمية مغلقة، تتحدث بلغة تبدو منفصلة عن الواقع، فتزداد المسافة بين الإنسان والمعرفة التي يفترض أن تساعده على فهم عالمه.
ومن هنا تتبلور صورة «مملكة القانون» حين يتحول القانون، أو الخطاب المؤسسي المحيط به، من إطار لتنظيم الحياة العامة إلى بنية رمزية تفرض تعريفاً واحداً للعقلانية والشرعية والمعرفة. وفي هذه الحالة قد تتحول النصوص الفلسفية من أدوات للتفكير النقدي الحر إلى أنظمة دلالية مغلقة، تُعامل أحياناً كما لو كانت حقائق كلية ونهائية، لا تحتمل المراجعة أو إعادة التأويل.
لقد بات من الضروري، في ظل هذا الاحتمال، إعادة النظر في مناهج البحث الفلسفي وتعليمه، وكسر حلقة الطاعة المعرفية التي قد تُفرض تحت مسميات «العلم» و«الموضوعية» و«المنهج». فالفلسفة، في أصلها، ليست خطاباً يعاد إنتاجه وفق مناهج جاهزة ومؤسسات نخبوية، وإنما هي فعل قلق دائم، ومساءلة لا تهدأ، وتمرين مستمر على مقاومة التكلس المعرفي.
ولا يعني ذلك رفض المنهج أو العلم أو المؤسسة، بل يعني استعادة وظيفتها النقدية. فالمشكلة لا تبدأ حين يكون للمعرفة منهج، وإنما حين يتحول المنهج إلى قيد؛ ولا تبدأ حين توجد مؤسسات علمية، وإنما حين تتحول المؤسسة إلى سلطة فوق المساءلة. والفلسفة، بما هي تفكير نقدي، لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها إلا إذا ظلت قادرة على مساءلة أدواتها ومفاهيمها ومؤسساتها نفسها.
وفي هذا السياق، فإن بعض صور الفلسفة التي تغلب عليها النزعة الوضعانية الصارمة، وتسعى إلى تفسير العالم من خلال قوانين كلية ومنظومات عقلانية مغلقة، قد تجد نفسها أمام أسئلة تتجاوز قدرتها على الاختزال والتعميم، خصوصاً في عالم تتداخل فيه التحولات الهوياتية والاجتماعية والبيئية والوجودية، وتتراجع فيه قدرة النماذج التفسيرية الأحادية على الإحاطة بتعقيد التجربة الإنسانية.
إن الإنسان ليس رقماً في جدول، ولا حالة مجردة داخل منظومة، ولا موضوعاً قابلاً للاختزال في معادلة معرفية واحدة. إنه كائن تاريخي ووجودي، تتقاطع فيه الذاكرة واللغة والجسد والهوية والمكان والرغبة والخوف والأمل. ولذلك فإن أي فلسفة تنفصل عن هذه الكثافة الإنسانية معرضة لأن تتحول إلى بناء تجريدي يفسر الإنسان من الخارج، بدلاً من أن يصغي إلى صوته من الداخل.
إننا اليوم بحاجة إلى تجديد الخطاب الفلسفي، لا من خلال تفكيك السلطة الكامنة في بنية النخب فحسب، وإنما أيضاً من خلال استعادة الفلسفة بوصفها مساحة حرة للسؤال، تنصت إلى الهامش بقدر إنصاتها إلى المركز، وتخاطب الإنسان باعتباره كائناً قادراً على مساءلة سلطاته المعرفية والاجتماعية والسياسية.
فالفلسفة التي تتحول إلى مجرد خطاب مؤسسي مغلق تخاطر بفقدان روحها النقدية؛ أما الفلسفة التي تصغي إلى الإنسان والواقع، وتعيد فتح الأسئلة التي أغلقتها العادة أو المؤسسة أو السلطة، فتظل قادرة على توسيع مجال الحرية والتفكير. وليس المطلوب أن تستبدل سلطةً بسلطة، أو نخبةً بنخبة، وإنما أن تجعل المعرفة نفسها مفتوحة على النقد والمراجعة والاختلاف.
لقد آن الأوان لمواجهة السلطة الرمزية والمعرفية حين تتحول إلى احتكار، وألا نكتفي بموقع المتلقي أو الناقل أو الشارح. فالفلسفة، في جوهرها، ليست تجسيداً لسلطة الحقيقة المغلقة، وإنما ممارسة مفتوحة للسؤال والاختلاف والتعدد وإعادة النظر.
إن قيمة الفلسفة لا تُقاس بقدرتها على إنتاج إجابات نهائية، بل بقدرتها على إبقاء السؤال حياً. وحين تصبح الحقيقة حكراً على مؤسسة، أو نخبة، أو منظومة معرفية تدّعي الاكتمال، تفقد الفلسفة أهم أسلحتها: حق الإنسان في أن يسأل.
ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى نحو تفكيك الهياكل الجامدة، لا بهدم المؤسسة، وإنما بتحريرها من ادعاء العصمة؛ ولا برفض العقل، وإنما بتحرير العقل من تحوله إلى أداة للوصاية؛ ولا بإلغاء المنهج، وإنما بإبقائه مفتوحاً على المراجعة.
فالفلسفة التي وُجدت منذ البدء لتوقظ السؤال، لا ينبغي أن تنام في سرير السلطة. وكلما اتسعت دائرة السؤال، اتسعت معها مساحة الحرية؛ وكلما تحررت المعرفة من احتكار الحقيقة، استعاد الإنسان حقه الأصيل في أن يفكر، وأن يختلف، وأن يعيد بناء العالم من موقع الكائن الذي لا يكف عن السؤال.