الفينومينولوجيا ومقولات المُطلق: مَكْرُ العَقل في أفق هيغل:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

حين يتأمّل الناظرُ في البنية العميقة للتفكير الفلسفي الغربي، يدرك أنّ سؤال “المُطلق” لم يكن ترفاً ميتافيزيقياً، بل كان المحرّك الخفيّ لمسار الفكر، والظلّ الذي يتقدّم التاريخ وهو يتوهّم أنّه يسير إلى غايةٍ خارجه. فالمُطلق—بصفته الكلّ المتعيّن في ذاته—لا يقيم في خارج التاريخ، ولا يُختزل في مجراه، بل يتجلّى فيه على نحوٍ مُلتبس، كحضورٍ لا يُدرك إلا عبر أشكالِ غيابه.
هنا يتقدّم جورج فيلهلم فريدريش هيغل بمفهومه الشهير: مكر العقل، لا بوصفه حيلةً أخلاقية، بل كآليةٍ أنطولوجية تتوسّط بين الفعل الإنساني والغاية الكلية. فالعقل—في تصوّره—لا يعمل وفق نوايا الأفراد، بل عبرها؛ إذ يسخّر شهواتهم وصراعاتهم، أخطاءهم وانتصاراتهم، ليُحقّق ما لا يقصدونه هم: تحقّق الحرية بوصفها جوهر التاريخ. وعلى هذا، يغدو التاريخ مسرحاً لفاعلية عقلٍ يتخفّى في الوقائع، ويستتر خلف الجزئيّ والعابر، بينما ينسج خيوط الكلّي في صمت.
غير أنّ هذا التصوّر لا يُفضي إلى اختزال المُطلق في التاريخ، كما قد يُتوهَّم. فالمُطلق ليس “نتيجةً” تاريخية، ولا غايةً تقع في آخر الزمن، بل هو الشرط الذي يجعل التاريخ ممكنًا من حيث هو تجلٍّ. إنّ الخلط بين التجلي والماهية يُفضي إلى وهمٍ منهجي: الاعتقاد بأنّ اكتمال الفكرة المطلقة في التاريخ يعني أنّ التاريخ هو مُطلق. والحال أنّ التاريخ كما الطبيعة لا يوجد خارج المُطلق، لكنه ليس المُطلق ذاته، بل نمطُ ظهوره ضمن أفق الزمان والتعيّن.
من هنا نفهم لماذا وضع هيغل كتابه فينومينولوجيا الروح بوصفه مدخلًا إلى العلم الفلسفي، لا خاتمةً له. فالفينومينولوجيا ليست علماً بالمُطلق، بل مسارُ الوعي في رحلته من الحسّي المباشر إلى المعرفة الذاتية الكلية. إنّها سرديةُ تشكّل الوعي، حيث يتعرّف العقل على نفسه عبر سلسلةٍ من الانكسارات والتجاوزات: من اليقين الحسّي إلى الإدراك، ومن الفهم إلى الوعي الذاتي، ثم إلى العقل، فالروح، فالدين، وصولاً إلى العلم. غير أنّ هذه الرحلة—على امتدادها—لا تُساوي المعرفة المطلقة، بل تُمَهِّد لها، وتُعدّ الشروط التي بها يغدو العقل قادراً على إدراك ذاته بوصفه كلّاً.
إنّ ما يُسمّيه هيغل “الوعي الظاهراتي” يظلّ وعياً في طور التشكل، محدوداً بأفق التجربة التاريخية والأنثروبولوجية. فهو وعيٌ يتعلّم عبر النفي، ويتقدّم عبر السلب، ويكتسب يقينه من خلال انهدام يقيناته السابقة. لذلك لا يجوز الخلط بين اكتمال هذا الوعي وبين اكتمال المعرفة المطلقة. فالأول مسارٌ تاريخيّ متناهٍ، والثانية بنيةٌ منطقية تتضمّن في ذاتها علاقتها بغيرها، وتُدرك أنّ الفلسفة—بحكم طبيعتها—لا تبلغها دفعةً واحدة، بل تقترب منها اقترابًا لولبيًا، يتعمّق مع كلّ عودة.
وإذا كان التاريخ، في هذا السياق، عقلًا موضوعيًا—أي عقلًا متعيّنًا في مؤسساتٍ وقوانين وأعراف—فإنّ خطأً منهجيًا فادحًا يكمن في اعتباره غايةً نهائية. إنّ ما يتحقّق في التاريخ هو أشكالُ الحرية، لا حقيقته المطلقة؛ وما يتجلّى فيه هو إمكانات العقل، لا كينونته التامة. لذلك يظلّ المُطلق متعاليًا عن كلّ تحقّق جزئي، حتى وهو يتجلّى فيه؛ قريبًا حدّ الالتباس، بعيدًا حدّ الاستحالة.
بهذا المعنى، يغدو مكر العقل ليس مجرّد تفسيرٍ لمسار التاريخ، بل مفتاحًا لفهم العلاقة الجدلية بين المحدود واللامحدود: كيف يشتغل الكلّي عبر الجزئي، وكيف يُنجز المطلق نفسه من خلال ما يبدو نقيضه. فالإنسان، وهو يظنّ أنّه صانع التاريخ، ليس إلا وسيطًا لفاعليةٍ أعمق؛ والعقل، وهو يتجلّى في العالم، لا يُسلّم نفسه كاملةً لأيّ طورٍ من أطواره.
إنّ الفينومينولوجيا، إذن، ليست طريقًا إلى امتلاك الحقيقة، بل تمرينٌ على تحمّلها؛ ليست وصولًا إلى المُطلق، بل استعدادًا له. وفي هذا التوتّر الخلّاق بين التاريخ والمنطق، بين الوعي والروح، بين التجلي والماهية، يتكشّف أفقٌ فلسفيّ يرى في الإنسان كائنًا تاريخيًا، لكنّه لا يختزل الحقيقة في التاريخ؛ كائنًا محدودًا، لكنّه يحمل في محدوديته صدى المُطلق.