ليست السياسة، في جوهرها، إلا فنّ إدارة المصالح وتوازن القوى، غير أنّها كثيراً ما تتخفّى خلف أقنعة متعددة: تارةً باسم العدالة، وتارةً أخرى باسم المصلحة العامة، وفي أحيان كثيرة باسم المقدّس. وهنا تتبدّى المفارقة الكبرى: إذ كيف يمكن لنظام يرفع لواء الدين والثيوقراطية أن يسلك، في العمق، مسلكاً براغماتياً محضاً، لا يرى في المبادئ إلا أداة وظيفية، قابلة للتأويل والتوظيف والانتقاء، بحسب مقتضيات اللحظة السياسية وضرورات البقاء؟
الواجهة الثيوقراطية، بما تحمله من شعارات الطهرانية والتسليم المطلق للوصايا العليا، قد تبدو للناظر السطحي انعكاسًا لنظام يخضع فيه الواقع للمثال، والسياسة للعقيدة، والمصالح للشرائع. غير أنّ التاريخ المعاصر يكشف لنا صورة مغايرة تمامًا: فالمقدّس، بدل أن يكون مُلهِمًا للسياسة، يغدو غطاءً لها، قناعًا يشرعن خيارات ذرائعية تتخفّى وراء لغة السماء لتبرير وقائع الأرض.
إنّ البراغماتية هنا لا تأتي بالمعنى البسيط لفن الممكن، بل بمعناها الأكثر تركيبًا: أي القدرة على تفكيك المبادئ الكبرى وتحويلها إلى أدوات تقنية، تُستعمل متى اقتضت المصلحة وتُهمَل متى شكّلت عبئًا. فالمبدأ يُقدَّم لا كقيمة مطلقة، بل كعملة متداولة تُصرَف وفق سعر السوق السياسي. وهكذا ينشأ كيان مزدوج: وجهٌ ثيوقراطي مُكلّل بهالة من الطهر، وجوهر ذرائعي يشتغل ببرودة حسابية لا تعترف إلا بالمنفعة والقوة.
ولعل أخطر ما في هذه الازدواجية أنها تُنتج التباسًا إبستمولوجيًا يربك المتلقي: فالخطاب المعلن يشي بالقداسة، بينما السلوك الفعلي يشي بالمنفعة. وهنا يغدو المواطن حبيس لعبة مزدوجة: يُطلَب منه الإيمان بالمطلق، بينما يُدَار واقعه وفق حسابات نسبية. هذه المفارقة تفرز وعيًا مشوَّهًا، يتأرجح بين التصديق والريبة، بين الطاعة العمياء والشك المكتوم.
إنّ الثيوقراطية، حين تتحوّل إلى واجهة براغماتية، لا تكتفي بإعادة إنتاج السلطة، بل تُعيد أيضًا إنتاج “شرعية” ملتبسة. فهي لا تُبقي السلطة في موقعها عبر القوة وحدها، بل عبر تسويغٍ ديني يُجمِّل البراغماتية ويُعطيها مظهر التضحية بالمصلحة لأجل المبدأ، في حين أنّ العكس هو الصحيح. بهذا المعنى، تصبح القداسة سلعة في سوق السياسة، ويغدو المقدّس أداة من أدوات التبادل الرمزي التي تُمنَح أو تُسحَب وفق مقتضيات اللعبة.
لكن السؤال الفلسفي الذي يتبدّى هنا: هل يمكن أن تنفصل الواجهة عن الجوهر إلى هذا الحدّ؟ أليس في الواجهة الثيوقراطية، على الرغم من توظيفها البراغماتي، شيء من الأثر الحقيقي للمقدّس في تشكيل المخيال الجمعي والوجدان السياسي؟ بعبارة أخرى: هل يمكن اعتبار المقدّس مجرّد قناع وظيفي، أم أنّه — رغم استغلاله — يظلّ محتفظًا بقدرته على تشكيل الضمير الجمعي وتقييد الذرائعية المطلقة؟
الجواب يفتحنا على ثنائية معقّدة: فالمقدّس حين يُستعمَل سياسيًا يفقد بعض طهره، لكنه يظلّ قادرًا على إحداث أثرٍ يتجاوز الذرائعية ذاتها. فالسلطة، مهما توغّلت في البراغماتية، تظل مضطرة إلى مراعاة الحد الأدنى من حدود المقدّس الذي استعارته، وإلا انكشفت لعبتها وتهاوى قناعها. وهنا تكمن المفارقة: البراغماتية تحتاج إلى الثيوقراطية بقدر ما تحتاج الثيوقراطية إلى البراغماتية. إنها علاقة تبادلية، حيث يمدّ كل طرف الآخر بشرعية وجوده.
إننا، إذن، أمام مشهد مركّب لا يجوز تبسيطه: ليست الواجهة الثيوقراطية مجرّد خداع شكلي، ولا البراغماتية محض جوهر نقي. بل نحن أمام جدلية دقيقة بين القناع والمضمون، بين المقدّس والذرائعي، حيث يتحوّل الدين إلى أداة للسياسة، وتستعير السياسة من الدين قدرتها على إنتاج الطاعة. وفي هذا التواشج يكمن سرّ صلابة بعض الأنظمة واستمرارها رغم كل التناقضات التي تفضحها.
_خاتمة:
إنّ كشف هذا التداخل بين الثيوقراطي والبراغماتي لا يهدف إلى النيل من الدين في ذاته، بل إلى تحريره من توظيفٍ يفرغه من معناه الأصلي ويحوّله إلى زخرفٍ سياسي. فحين يُستَعمل المقدّس قناعًا للذرائعية، تتحوّل السياسة إلى فنّ تبرير لا إلى فنّ حكم. والتحدّي الذي يواجه الفكر النقدي اليوم هو أن يزيح هذا القناع، ويكشف البراغماتية في حقيقتها العارية، دون أن يسقط في فخّ الثنائيات المبسطة. فالمقدّس، إذا تحرّر من الاستغلال، قد يظلّ طاقة أخلاقية قادرة على تقييد الجشع السياسي، بدل أن يكون حجابًا يشرعنه.