القدسُ ليست مدينةً فحسب، بل هي فلسفةٌ في المعنى، تجسِّد وحدةَ الزمان والمكان، وتختصرُ التلاقي بين القضية والشعب، والتاريخ والمصير. ولهذا، فإنّ الصراعَ المحتدمَ حولها ليس صراعاً بين حقيقتين، بل هو بين حقٍّ ثابتٍ وادّعاءٍ زائف. إننا، حين نؤسسُ فهمنا للقدس، نبنيه على مبدأ الحقّ وشموليّته، لنهدم المقولة المضلِّلة التي تُسوِّي بين الحق والحق الآخر، فالحقّ لا يضادُّ الحقّ، كما قال ابن رشد. الصراع، في جوهره، لا يكون إلا بين الحقّ والباطل، لا بين عدلين متوازيين.
غير أن هذا الحقّ، الذي غدا مستباحًا، كما استُبيحت الأرض والثقافة والوطن والمعنى، يدعونا اليوم إلى تحرير القدس من سياسة الضعفاء وغرور الأقوياء. فليست السياسةُ مجرَّد إدارة للصراع، بل ينبغي أن تُبنى على فلسفة القدس، حتى تستعيدَ السياسةُ معناها الحقيقي كطريقٍ نضاليٍّ نحو الحرية.
في فلسفة القدس، تتجسّدُ هذه المدينة بوصفها موطِنًا للحقّ العربي، ووجهًا أصيلًا من وجوه بلاد الشام، التي لم تعرف في يومٍ من الأيام خلوًّا من العرب، ولا شهدت انقطاعًا لهم عنها، رغم ما مرّ عليها من قوى متعاقبة. فالعلاقة بين العرب والشام علاقةٌ ضاربة في أعماق الزمن، لا تبدأ بدخول خالد بن الوليد إلى دمشق، بل تعود إلى ما هو أسبق: إلى الآراميين، والنبطيين، والغسانيين، فالأمويين. بل إنّ قريشًا ذاتها، في ثقافتها وأصلها، هي قبيلةٌ شاميةُ الروح.
لذلك، فالقدسُ لم تكن طارئةً على الوجدان العربي، بل كانت دومًا في صُلب هذا الوجدان، مدينةً للمعنى، مركزًا للروح، ومكانًا للفكرة التي تهدي الإنسان في بحثه عن السموّ. وعروبةُ القدسِ ليست عروبةَ شعارات، بل عروبةٌ تُؤسّسُ لإسلاميتها ومسيحيتها على حدٍّ سواء، إذ إنّ الروحَ العربية هي التي كوّنت القدس، وجعلتها قادرةً على إعادة إنتاج ذاتها ضمن الوعي العربي الجمعي.
وليس عبثًا أن يتّخذ النبيُّ العربيُّ قبلةً له القدس، وأن يكون المعراج منها، لا من مكة. ففي هذا الاختيار، تعبيرٌ عن قداسةٍ ضاربة في جذور الوجدان العربي، وعن وحدةٍ روحيةٍ تجمع المسيحية بالإسلام، إذ صعد المسيحُ فيها، كما عرج منها رسولُ الإسلام. فالقدسُ، في تجلياتها، مكانٌ واحدٌ تختصر فيه المسافة نحو المطلق، مدينةٌ يتوحّد فيها الإيمان، ويجتمع فيها المسيحي والمسلم، لا بوصفهما تابعَين لعقيدتين مختلفتين، بل بوصفهما شريكين في تجربةٍ إنسانيةٍ عميقةٍ للسموِّ والتقرب من الإله.
لهذا، فالقدسُ ليست ملكًا لدينٍ دون آخر، بل هي مدينةٌ عربيةٌ، مسيحيةٌ، إسلاميةٌ، إنسانيةٌ في آنٍ معًا. في القدس وحدها، أُعلن لأول مرة أنّ نبيًّا بلغ مقام “قاب قوسين أو أدنى” من ربّه. وفي هذا السموّ، يتحدّ الإنسان بالمعنى، وتُبنى أخلاقُ التسامح العليا، تلك التي لا تعرف الحقد ولا تنتمي إلى كراهية الشعوب.
ولكن، حين تتحوّل فلسفةُ السموّ إلى فلسفةٍ للحقد، فإنّ المكانَ ذاته يُفرَغ من معناه. إنّ “حائط البراق” الذي شكّل رمزيّةً روحيةً للمسلمين، قد أُعيد تفسيره ضمن وعيٍ ضيقٍ على أنه “حائط المبكى”، حيث تُستعاد ذكرى الهلاك والدمار، لا التسامي والإشراق. إنّ دموعَ المسيحي والمسلم تنبع من وجدٍ عميقٍ وحنينٍ إلى المطلق، أمّا دموع الحاقد، فدموعُ كراهيةٍ تُؤسِّسُ لموت الآخر.
القدسُ، إذن، فلسفةُ حياةٍ في مواجهة فلسفةِ موتٍ صهيونية. هي المدينةُ الوحيدةُ التي دخلها أميرُ المنتصرين لا غازيًا، بل متواضعًا، يتسلّم مفاتيحها بعهدٍ مكتوب، يشهد عليه كبار قريش: عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمر بن العاص. خمسُ شخصياتٍ تمثل النخبةَ السياسيةَ آنذاك، تضع أختامها على عهدٍ يليق بعظمة القدس.
وهذه الخصوصيّة الفريدة لا يدركها من ينظرون إلى المدينة من خارجها، ولا من يعتبرونها مجرد جغرافيا قابلة للتقاسم. القدس فلسفةٌ في الكبرياء، ومرآةٌ للعروبة، وهي ليست مجرد مدينةٍ ضمن حدود اتفاق، بل كينونةٌ تتجلّى في تاريخٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ أصيل.
ولهذا، فإنّ كلّ قولٍ يدّعي أنّ الشأن الفلسطيني يخصُّ الفلسطينيين وحدهم، هو قولٌ يُفصح عن موتِ المعنى في قلوب قائليه، واستقالةٍ صريحةٍ من التاريخ. ففلسطينيةُ القدس لا معنى لها إلا بتجذّرها في العروبة، وعروبةُ القدس لا تقوم إلا بتجذّرها في فلسطين. وحده الفلسطينيُّ الذي يجعل من القدس منطلقًا لوحدته، يستطيع أن يبني مشروعه على فلسفةٍ جامعةٍ لا تتجزأ.
القدسُ فلسفةُ المعنى، وفلسفةُ المقدّس، وفلسفةُ التسامح. ليست قابلةً لأن تُخضَع لحلولٍ سياسيةٍ تفرغها من ماهيتها. فالقدسُ إمّا أن تكون المعنى كلَّه، أو لا تكون. لا تقبل القسمة، لأنها ليست حيًّا في مدينة، بل مدينةٌ في الوجدان، ووجدانٌ لا يقبل أن يسكنَ إلا في مدينةٍ حرة. من هنا، يمكننا أن نعيد تأسيس السياسة على هذه الفلسفة، فلسفةُ القدس بوصفها مدخلًا لفهم الحرية.
إنّ تحريرَ القدس انطلاقًا من هذه الفلسفة هو الحلُّ الواقعيُّ الوحيد، لا تسويات ولا مساومات. فالقدس مرآتنا: إن كانت محتلةً، فهي تعكس فقرَنا وتفكّكنا، وإن تحررت، فهي تعكس وحدتَنا وقوّتَنا. القدس تصنعنا، وإذا كانت حرّيتها طريقًا لحرّيتنا، فإنّ استعادتها تُصبح بوابةً لتحرّر العرب أجمعين.
في القدس اليوم يتجلّى معيار وجودنا، وفي مستقبلها سيتشكّل وجهُنا الحضاري. إنّها قضيةُ المعنى، ورايةُ الكرامة، ومحرابُ الوجدان العربي.







