القدس تحت الضغط.. كيف انعكس التصعيد الإيراني على الاقتصاد والمجتمع؟

م. محمد ابو حمدي

تعيش مدينة القدس خلال الفترة الأخيرة، مرحلة حاسمة من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، في ظل التصعيد الإقليمي الأخير المرتبط بالضربات الإيرانية وما تبعها من إجراءات أمنية مشددة فرضتها سلطات الاحتلال، انعكست بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمقدسيين.

وفي ظل أن مدينة القدس من أكثر المدن هشاشة أمام الأزمات، نظرا لاعتماد جزء كبير من اقتصادها على السياحة والتجارة والخدمات، ومع استمرار الحرب الإيرانية، فإن أعداد الزوار قد تراجع بشكل حاد، خاصة في البلدة القديمة، التي تعتبر القلب التجاري والسياحي للمدينة، مما تسبب في انخفاض ملحوظ في حركة البيع والشراء، وأثر بشكل مباشر على مئات المحال التجارية التي تعتمد على التدفق اليومي للزوار.

كما ساهمت الإجراءات الأمنية، مثل إغلاق المسجد الأقصى وبعض الطرق والحواجز وتشديد التفتيش، في عرقلة حركة العمال والتجار، ما زاد من حالة الركود الاقتصادي، وأدى ذلك إلى خسائر متراكمة لدى أصحاب المحال، الذين باتوا غير قادرين على تغطية التكاليف التشغيلية، من إيجارات ورواتب، الأمر الذي دفع بعضهم إلى الإغلاق الجزئي أو الكامل.

في السياق ذاته، تضررت قطاعات حيوية مثل الفنادق والمطاعم، حيث شهدت انخفاضا كبيرا في نسب الإشغال، نتيجة غياب السياحة وتراجع الحركة الداخلية، فيما تأثرت سلاسل التوريد، ما أدى إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، وزيادة العبء على المواطنين.

ووفقا للتجمع السياحي المقدسي، فإن القدس تكبدت خسائر اقتصادية مباشرة جراء الحرب الإيرانية المستمرة، التي أدت لاغلاق مؤسسات سياحية أو تجارية أو ثقافية، مستدلا بنسبة الإشغال في القطاع السياحي التي كانت تصل إلى 75% لكنها تراجعت اليوم إلى أقل من 10% إضافة إلى وجود منشآت سياحية مغلقة، مقدرا حجم الخسائر بهذا القطاع بـ750 مليون دولار من دون احتساب الخدمات الأخرى.

وتعيش الأسر المقدسية أوضاعا صعبة بسبب سياسات الاحتلال واغلاق المسجد الاقصى، إذ إن 80% من المقدسيين تحت خطر الفقر، وفق مركز القدس للحقوق الاقتصادية، ويعتبر القطاعان التجاري والسياحي في القدس من الأكثر تضررا بسبب الاضطرابات الأمنية، فيما يجد 78% من المقدسيين صعوبة في تغطية نفقاتهم أسرهم الشهرية.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد انعكست هذه الأزمة الاقتصادية على الواقع المعيشي للعائلات المقدسية، حيث ارتفعت مستويات القلق وعدم الاستقرار، وبات كثير من الأسر تعتمد على مصادر دخل غير ثابتة، في ظل فقدان وظائف أو تقليص ساعات العمل، كما لوحظ ارتفاع في نسب الديون، نتيجة العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

إلى جانب ذلك، أثرت الأوضاع الأمنية المتوترة على الصحة النفسية للسكان، خاصة الأطفال والشباب، الذين يعيشون في بيئة مليئة بالضغوط والخوف من التصعيد، فيما تعاني المؤسسات التعليمية من صعوبات في انتظام العملية الدراسية، بسبب الإغلاقات أو القيود المفروضة على الحركة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق السياسي الأوسع، حيث يرى مراقبون أن القدس تُستخدم كورقة ضغط في ظل التوتر الإقليمي، ما يزيد من تعقيد الأوضاع فيها. ومع استمرار التصعيد، يخشى كثيرون من دخول المدينة في أزمة طويلة الأمد، قد تحدث تغييرات عميقة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.