على الرغم من أنه لم يتبق لحلول شهر رمضان المبارك، سوى أسبوعين، إلا أن مدينة القدس سرعان ما تحولت إلى ما يشبه “الثكنة العسكرية” محاطة بإجراءات أمنية إسرائيلية مشددة، قلبت ملامح الشهر الفضيل، الذي تتجسد فيه الأجواء الإيمانية من خلال توافد مئات الآلاف من المصلين إلى المسجد الأقصى، وإحياء ليالي التراويح، وصلاة الفجر، والاعتكاف، في مشهد يعكس قدسية المكان وخصوصية الزمان.
منذ أيام، دفعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتعزيزات كبيرة من الشرطة وقوات الجيش إلى محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، شملت وحدات خاصة وشرطة حرس الحدود، إضافة إلى نشر مكثف للدوريات الراجلة والمتحركة. كما أقيمت عشرات نقاط التفتيش الثابتة والمفاجئة عند مداخل القدس، وفي أزقة البلدة القديمة، وعلى الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى، في خطوة تهدف إلى التحكم الكامل بحركة الفلسطينيين، خصوصا القادمين من الضفة الغربية.
واعتمدت سلطات الاحتلال سياسة تصاريح مشددة، الأمر الذي حد بشكل كبير من أعداد المصلين المسموح لهم بدخول القدس وأداء الصلاة في المسجد الأقصى، حيث فُرضت قيود عمرية وجغرافية صارمة، ومنع آلاف الفلسطينيين من الوصول رغم الطابع الديني الخالص للشهر الذي بات على الأبواب، وحتى من حصلوا على تصاريح، لم يسلموا من الإيقاف والتفتيش والتأخير لساعات طويلة على الحواجز، ما سيفقد الرحلة الإيمانية معناها الروحي، ويحولها إلى معاناة يومية.
وفي البلدة القديمة، انتشر عناصر الشرطة الإسرائيلية عند أبواب المسجد الأقصى وفي ساحاته، مع مراقبة لصيقة للمصلين، ومنع أي تجمعات أو مظاهر احتفالية بالشهر الفضيل، الذي تكثر فيه موائد الإفطار الجماعية وحلقات ذكر القرآن الكريم، كما شهدت المنطقة حالات اعتقال وإبعاد بحق شبان ومصلين، بذريعة “الدواعي الأمنية”، الأمر الذي زاد من حالة التوتر والاحتقان في المدينة.
وتأتي هذه الإجراءات في تناقض واضح مع المناخ العام المفترض لشهر رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر عبادة وسلام وتواصل اجتماعي، لا شهر تضييق وقمع. فبدل أن تتحول القدس إلى فضاء مفتوح للروحانية، أُخضعت لمنظومة أمنية صارمة، انعكست سلبا على الحياة اليومية لسكانها، وعلى قدرة الفلسطينيين على ممارسة حقهم الطبيعي في العبادة.
ويرى مراقبون ومختصون بشأن القدس أن هذه السياسة الأمنية لا تنفصل عن محاولات فرض وقائع جديدة في المدينة المقدسة، عبر التحكم في الزمان والمكان داخل المسجد الأقصى، وتقليص الحضور الفلسطيني فيه، خصوصا خلال شهر يتمتع بحساسية دينية وشعبية كبيرة.
وبحسب المختصون فإن الأوضاع في القدس، في ظل هذه التشديدات الأمنية غير المسبوقة خلال شهر رمضان، تتجه نحو مزيد من التوتر والاحتقان، في وقت يُفترض فيه أن يسود الهدوء والطمأنينة.
ويشير هؤلاء إلى أن تحويل محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة إلى نقاط عسكرية مغلقة، وفرض القيود على المصلين، من شأنه أن يفاقم الشعور بالقهر الديني والإنساني لدى الفلسطينيين، ويخلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.
كما حذر المراقبون من أن استمرار هذه السياسات قد يقوض الاستقرار الهش في المدينة المقدسة، ويحول شهر رمضان من مناسبة للعبادة والتلاقي الروحي إلى موسم أمني مشحون، بما يحمله ذلك من انعكاسات خطيرة على الأوضاع الميدانية والدينية في القدس
وبينما يصر الفلسطينيون على إحياء رمضان في القدس رغم كل القيود، تبقى المدينة عنوانا لصراع مفتوح بين قدسية المكان وسياسات التضييق، في شهر يفترض أن يكون عنوانه الرحمة والسكينة، لا الحواجز والسلاح.. كان الله في عون الفلسطيني بالقدس والضفة وغزة والخارج،، وكأنه كتب عليه الشقاء أينما وجد..







