أستاذ الفلسفة المعاصرة – جامعة بوزريعة
لا يمكن مقاربة إسرائيل اليوم بوصفها كياناً سياسياً–عسكرياً فحسب، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها كينونة أنطولوجية مأزومة، تعيش قلقاً وجودياً متنامياً نابعاً من داخلها قبل أن يكون مفروضاً عليها من الخارج. فإسرائيل، التي أُنشئت عام 1948 في سياق نظام دولي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم اهتزازاً عميقاً في الأسس التي قام عليها ذلك النظام، ما يفتح سؤال الاستمرارية والوجود على مصراعيه.
هذه الدراسة تحاول تفكيك هذا القلق الوجودي من منظور فلسفي أنطولوجي، يربط بين الوجود والزمان، وبين الفعل السياسي والمصير، بعيداً عن التحليلات العسكرية أو الأمنية الضيقة.
أولاً: إسرائيل كنتاج أنطولوجي لنظام دولي آفل
نشأت إسرائيل ضمن بنية دولية محددة، اتسمت بـ:
هيمنة الغرب بعد الحرب العالمية الثانية،
مركزية السردية الأخلاقية الأوروبية،
شرعنة الاستعمار الاستيطاني تحت غطاء إنساني،
ثم تثبيتها ضمن نظام الحرب الباردة.
لم يكن هذا النظام مجرد إطار سياسي، بل شكّل حاضنة وجودية لإسرائيل. ومع تراجع هذا النظام وتفكك يقيناته، تفقد إسرائيل أحد أهم شروط بقائها، وتتحول من دولة مدعومة بنظام عالمي إلى كيان قلق يبحث عن ضمانات جديدة لوجوده فلا يجدها.
ثانياً: القلق الوجودي… حين تخاف الدولة من ذاتها
القلق الوجودي الإسرائيلي ليس نتاج تهديد خارجي فحسب، بل هو:
قلق من المستقبل،
قلق من الزمن،
قلق من المعنى،
وقلق من الذات.
إنها دولة تخشى أن تتحول قوتها إلى عبء، وأن يصبح عنفها دليلاً على هشاشتها لا على تفوقها. وهنا نكون أمام حالة فلسفية يمكن توصيفها بـ الشعور اللامعقول: محاولة تحويل اللاعقلاني إلى عقلاني عبر فائض القوة.
ثالثاً: طوفان الأقصى وتفجير مكبوتات فائض القوة
شكّل طوفان الأقصى لحظة كاشفة في السلوك الإسرائيلي، إذ:
أطلق مكبوتات فائض القوة،
منح جرأة غير مؤسسة على قواعد استراتيجية ثابتة،
وحوّل العنف إلى نمط وجودي دائم.
ما نراه من:
إبادة في غزة،
ضرب سوريا ولبنان،
التهديد المستمر لإيران،
لا يعكس قوة مستقرة، بل أزمة معنى تحاول أن تجعل اللامعقول معقولاً بالقوة.
رابعاً: العقل الصهيوني بين الاحتلال والإحلال
العقل الصهيوني عقل:
احتلالي في جوهره،
إحلالي في بنيته،
وعنصري في منطقه.
وحين يعجز عن إنتاج شرعية حديثة، يعود إلى:
المقولات التوراتية،
الأساطير المؤسسة،
ومشاريع مثل «ممر داوود من النيل إلى الفرات».
هذه العودة ليست تعبيراً عن قوة لاهوتية، بل عن عجز حداثي وفشل في التحول إلى دولة طبيعية تعيش ضمن التاريخ والجغرافيا لا فوقهما.
خامساً: الجغرافيا كحدّ أنطولوجي
محاولة بناء وجود إسرائيلي ممتد بين:
نهر النيل،
ونهر الفرات،
هي صدام مباشر مع:
الجغرافيا،
التاريخ،
ومنطق الدول.
الجغرافيا ليست مساحة فقط، بل قدر وجودي، وكل كيان يتجاوز حدوده الطبيعية يدخل في صراع مع الزمن نفسه، وهو صراع لا يمكن الانتصار فيه.
سادساً: العنف بوصفه طريق الفناء
حين تتحول:
الجرائم،
الاستيطان،
الهدم،
القتل،
إلى نمط وجود، فإن الدولة لا تحمي نفسها بل تدمّر شروط بقائها. إسرائيل اليوم تسرّع تفككها بيدها، وتفرغ قوتها من معناها، وتحوّل فائض القوة إلى فائض عدم.
خاتمة: بين الفناء الممكن والتحول الضروري
إن ممارسة إسرائيل لمكبوتات فائض قوتها اللامعقولة لا تؤدي إلى تثبيت وجودها، بل تعجّل في:
فنائها،
دمارها الداخلي،
وتفككها المعقول.
وإذا كان ثمة أفق آخر، فهو مشروط بـ:
فصل الوجود السياسي عن الأساطير التوراتية،
الانتقال من عقل الاحتلال إلى عقل الدولة،
والعيش ضمن حداثة سياسية تعترف بالآخر وبالزمان وبالجغرافيا.
وفي مقابل ذلك، يكشف الزمن الديالكتيكي عن فلسطيني صاعد وإسرائيلي هابط، لا بهدف الإلغاء، بل من أجل الالتقاء في لحظة تحول تاريخي قد تفتح أفق سلام استراتيجي أبدي، سلام يقوم على المعنى لا على القوة.
ذلك هو امتحان الزمن…
ومن يعجز عن فهم الزمن، يعجز عن البقاء






