الكتاب بوصفه الإعلان الأول عن المرحلة الجديدة وعودة سوريا إلى محيطها

باسل الرفاعي

يشكّل افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب في هذه الدورة لحظة تأسيسية كثيفة الدلالة تعكس طبيعة المرحلة التي دخلتها البلاد بعد سقوط النظام الأسدي القمعي، إذ اختارت الدولة أن تقدّم نفسها عبر المعرفة قبل أي خطاب سياسي أو احتفال رسمي، في إشارة إلى أن إعادة بناء المجال العام تنطلق من اللغة المشتركة التي يتكوّن حولها المجتمع قبل أي بنية مادية أخرى. فالمجتمعات الخارجة من التحولات الكبرى تبحث أولًا عن إطار يفسّر تجربتها ويمنحها قدرة على التفاهم حول الماضي والحاضر، وهنا يأتي الكتاب بوصفه المؤسسة الأكثر قدرة على إنتاج المعنى المشترك. ضمن هذا السياق اكتسب حضور دولة قطر كضيفة الشرف بعدًا يتجاوز الرمزية الثقافية، إذ تجسّد الدعم والرعاية في فضاء معرفي يجمع بين الإسناد السياسي والاندماج الثقافي، فتحوّل المعرض إلى منصة وصل هادئة تعيد ربط سوريا بمحيطها العربي عبر الثقافة بوصفها قناة قادرة على بناء الثقة تدريجيًا وصياغة علاقات مستقرة الإيقاع. وبهذا المعنى بدا الحدث إعلانًا عن استعادة دمشق موقعها التاريخي كمركز تواصل فكري في المنطقة، حيث يدخل الزائر العربي بوصفه قارئًا ويغادر وقد أسهم في إعادة إدراج سوريا داخل الدورة الطبيعية للحياة الفكرية العربية، وهو المسار الذي مهّد في تجارب تاريخية عديدة لعودة العلاقات السياسية والاقتصادية لاحقًا عبر الثقافة التي سبقت الدبلوماسية في إعادة تشكيل الروابط.

وتكشف عودة دور النشر السورية إلى دمشق أن الاقتصاد الثقافي يتحرك في المراحل الانتقالية بوصفه القطاع الأسرع قدرة على استعادة الحيوية والأعمق أثرًا في المجتمع، فالكتاب يحمل تكلفة إنتاج منخفضة مقابل تأثير واسع يمتد عبر الطبقات الاجتماعية المختلفة ويعيد تنشيط الحركة التعليمية والفكرية في آن واحد. خلال سنوات الحرب توزعت صناعة النشر السورية بين عواصم عربية وأوروبية، حيث استمرت الكتابة والتحرير والطباعة خارج الحدود، ومع انعقاد المعرض بدأت دورة الإنتاج تتجه مجددًا نحو الداخل عبر الطباعة والتوزيع واللقاء المباشر مع القراء، فتكوّنت حركة اقتصادية معرفية متكاملة حول الكتاب تشمل المطابع والمكتبات والفعاليات والندوات. هذا التحول يحمل بعدًا يتجاوز سوق الكتب، إذ يعيد وصل دمشق بشبكة عربية من المؤلفين والمترجمين والمحررين ويكرّس موقعها مركزًا لإنتاج المعرفة وتداولها، فتتحول المدينة من فضاء استهلاك ثقافي إلى عقدة إنتاج وتبادل داخل المجال العربي. وهكذا يعمل الكتاب كجسر أولي يعيد الثقة العامة داخل المجتمع ويمنح الفاعلين الاقتصاديين إشارة استقرار معنوية تمهّد لعودة الاستثمارات والقطاعات الكبرى في مراحل لاحقة، حيث يبدأ التعافي بإعادة تداول الأفكار قبل توسع رؤوس الأموال.

نهاية الرقابة وبداية المجال الثقافي المفتوح

داخل أروقة المعرض ظهرت ملامح التحول بوضوح من خلال تنوع واسع في العناوين، إذ توزعت الكتب بين السياسة والفكر والفنون والرواية والشعر والنثر والمذكرات السياسية والاجتماعية، فبدت غرف العرض كأنها تستعيد دفعة واحدة أسئلة تراكمت عبر عقود طويلة. هذا الاتساع منح القراءة وظيفة تفسيرية تتجاوز المتابعة المعرفية لتصبح وسيلة لفهم التجربة السورية نفسها، حيث تحوّلت المذكرات والشهادات إلى أدوات لبناء ذاكرة عامة مشتركة تتجاور فيها الروايات المتعددة داخل فضاء واحد يولّد النقاش ويغذّي التفكير الجماعي. وبرز حضور كثيف للكتب الدينية التي بقيت بعيدة عن المجال الثقافي الرسمي خلال الحقبة الأسدية القمعية، فجاء وجودها إلى جانب الرواية والبحث السياسي علامة على تحوّل في علاقة الدولة بالمعرفة، إذ اتسع المجال الثقافي ليستوعب أنماطًا متعددة من التفكير ضمن إطار واحد.

ومع هذا الاتساع أخذت وظيفة السلطة شكلًا جديدًا يقوم على تنظيم المجال العام وإدارته عبر قواعد تداول المعرفة، حيث أصبح معيار الحيوية الثقافية يقاس بقدرة النصوص المختلفة على البقاء في التداول والتفاعل مع القراء. ومن خلال هذا التفاعل يتكوّن نقاش اجتماعي واسع يعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة على أساس المشاركة في إنتاج المعنى، فتتحول الثقافة إلى مساحة مشتركة تُدار بالحوار وتُبنى عبرها شرعية الاستقرار على المدى الطويل.

المعرض كمساحة إعادة دمج اجتماعي ونافذة إلى العالم

يتحوّل المعرض في هذه المرحلة إلى فضاء جامع تلتقي فيه تجارب السوريين المتعددة حول فعل القراءة، فيكتسب الحدث وظيفة اجتماعية واسعة تعيد تشكيل الروابط العامة داخل المجتمع عبر المعرفة المشتركة. فالقارئ القادم من مدينة بعيدة يجاور قارئًا عاش تجربة مختلفة، ويجد كلاهما في الكتاب أرضية حوار هادئة تسمح بتبادل الفهم دون توتر، ومع الندوات وتوقيعات الكتب تتكوّن طبقة جديدة من النقاش العام تربط التجارب الفردية بسردية أوسع قابلة للتداول، فينشأ شعور جماعي بالانتماء يقوم على المشاركة في تفسير الماضي وبناء معناه المشترك. وتصبح المقاهي الثقافية وحلقات النقاش المحيطة بالمعرض امتدادًا لهذا الفضاء، حيث تتشكل لغة عامة جديدة قادرة على استيعاب اختلاف التجارب داخل إطار واحد، فيغدو الحدث أداة إعادة دمج اجتماعي تتقدّم عبر الثقافة قبل أي آلية أخرى.

وعلى المستوى الخارجي يفتح المعرض بوابة إدماج تدريجي لسوريا في المجال الثقافي العالمي، إذ تدخل البلاد إلى العالم عبر الترجمة واللقاءات الفكرية بوصفها منتجًا للمعرفة ومساهمًا في النقاش الإنساني العام، فتستعيد صورتها في الوعي الدولي كبلد فاعل في الثقافة لا كمادة خبرية فقط. ومن خلال حضور دور النشر الأجنبية والحوارات المشتركة تتشكل شبكة علاقات معرفية تمهّد لمسارات أوسع من التعاون، حيث تتقدّم الثقافة باعتبارها اللغة الأكثر قدرة على بناء الروابط العابرة للسياسة. وهكذا يغدو معرض دمشق الدولي للكتاب إعلانًا هادئًا عن شكل الدولة المقبلة، دولة تجعل المعرفة أساس الاستقرار، وتعيد بناء مجتمعها عبر الحوار، وتؤسس حضورها الخارجي عبر الثقافة، فيتحول الكتاب إلى إحدى مؤسسات السلام الدائمة وأكثرها قدرة على الاستمرار.