د.صالح الشقباوي
ليست قيمة الإنسان عند الله في عدد المرات التي ينحني فيها جسده، ولا في كثرة الركوع والسجود وحدهما، وإنما في قدرته على أن يستخدم العقل الذي وهبه الله له، وأن يحوّل هذا العقل إلى وسيلة لمعرفة الله، وفهم خلقه، واكتشاف قوانينه وسننه في الوجود.
إن الله لم يمنح الإنسان عقلاً ليكون عبداً للخوف، أو أداةً لترديد ما قيل دون سؤال، بل منحه إياه ليبحث ويسأل ويتأمل ويكتشف. فالعقل هو أعظم أدوات الإنسان في الاقتراب من الحقيقة، وهو الأداة التي يستطيع بها الإنسان أن يقرأ الكون باعتباره كتاباً مفتوحاً على قدرة الخالق وحكمته.
إنني لا أضع العقل في مواجهة الله، بل أراه أعظم هبة إلهية تمكن الإنسان من الاقتراب من معرفة الله.
العقل أداة لمعرفة الله
حين يتأمل الإنسان في الكون، في حركة الكواكب، وفي انتظام الطبيعة، وفي قوانين الحياة، وفي تعقيد الإنسان ذاته، فإنه لا يبتعد عن الله؛ بل يقترب منه من خلال السؤال والمعرفة.
العقل يبحث عن القانون الكامن وراء الظاهرة، وعن النظام الذي يحكم الأشياء، وعن العلاقة التي تجعل الوجود متداخلاً ومترابطاً. ومن هنا يصبح التفكير محاولة لفهم بعض آثار القدرة الإلهية في العالم.
فالإنسان لا يشارك الله في خلق الأشياء، فهذا أمر إلهي لا يملكه الإنسان، لكنه يستطيع أن يشارك في اكتشاف منطق الخلق وقوانينه وسننه. يستطيع أن يقرأ ما أودعه الله في الطبيعة من انتظام، وأن يحول المعرفة إلى وسيلة لحفظ الحياة وبناء الحضارة.
وهنا تكمن عظمة العقل.
هل يريد الله أجساداً راكعة أم عقولاً واعية؟
الركوع والسجود عبادتان لهما مكانتهما في الدين، لكن السؤال الفلسفي الأعمق هو: ماذا يحدث عندما يصبح الجسد عابداً بينما يبقى العقل غائباً؟
يمكن للإنسان أن يركع بجسده، بينما يكون عقله أسيراً للخرافة والتعصب والكراهية. ويمكنه أن يكثر من الطقوس، لكنه لا يفهم معنى الإنسان، ولا قيمة الحياة، ولا مسؤولية الاستخلاف، ولا حرمة الظلم.
عندها تصبح العبادة منفصلة عن الغاية الأخلاقية والمعرفية التي يفترض أن تقود إليها.
لذلك فإن المشكلة ليست في الركوع والسجود، وإنما في تحويل الدين إلى حركة جسدية بلا وعي، وإلى طقوس بلا سؤال، وإلى إيمان بلا عقل.
إن الله، في التصور الذي أدافع عنه، لا يحتاج إلى أجسادنا لكي يثبت وجوده؛ وإنما يحتاج الإنسان إلى عقله لكي يكتشف معنى وجوده ومسؤوليته في هذا العالم.
التعقل أقوى من الإيمان الأعمى
الإيمان الذي يخاف من السؤال إيمان هش، أما الإيمان الذي يسمح للعقل بأن يسأل ويبحث ويناقش فهو إيمان أكثر رسوخاً.
ولهذا أقول: التعقل أقوى من الإيمان الأعمى.
ليس المقصود أن العقل يلغي الإيمان، بل إن العقل يمنع الإيمان من التحول إلى تقليد أعمى أو تعصب مغلق.
الإيمان بلا عقل يمكن أن يتحول إلى يقين مغلق، أما الإيمان الذي يمر عبر السؤال والتفكير فيمكن أن يتحول إلى وعي ومسؤولية.
العقل لا ينبغي أن يكون مستعبداً لفهم العبادات فقط؛ بل ينبغي أن يكون حراً في فهم الإنسان والطبيعة والتاريخ والمجتمع والوجود.
إن العقل الذي يسأل: لماذا؟
والذي يبحث عن: كيف؟
والذي يتساءل عن: إلى أين؟
هو عقل يمارس إنسانيته.
العقل واكتشاف سنن الله في الأشياء
لقد جعل الله في الوجود قوانين مستقرة. النار تحرق، والماء يجري، والجاذبية تعمل، والحياة تقوم على علاقات معقدة، والمجتمعات تخضع لقوانين تاريخية واجتماعية.
ومهمة العقل ليست تغيير إرادة الله، وإنما اكتشاف هذه السنن وفهمها والتعامل معها.
كل تقدم علمي هو في جانب منه محاولة إنسانية لفهم انتظام العالم.
فالطبيب حين يكتشف قانوناً في الجسد لا ينافس الله، والعالم حين يكتشف قانوناً في الطبيعة لا ينافس الخالق، والفيلسوف حين يسأل عن معنى الوجود لا ينافس الحقيقة الإلهية.
إنهم يحاولون فهم العالم الذي وُضع الإنسان فيه.
ومن هنا يمكن القول إن العقل هو أداة الإنسان لفهم بعض آثار الفكر الإلهي في الأشياء، وليس أداة لمشاركة الله في الخلق.
من العبادة إلى المسؤولية
العبادة الحقيقية لا ينبغي أن تنتهي عند سجادة الصلاة.
ينبغي أن تخرج منها إلى الإنسان.
فإذا ركع الإنسان ثم ظلم، وإذا سجد ثم كذب، وإذا صام ثم كره الآخرين، فإننا أمام مشكلة تتجاوز شكل العبادة إلى معناها.
الدين الذي لا يصنع إنساناً أكثر عدلاً ورحمة ووعياً يحتاج إلى مراجعة فهمنا له.
فالغاية ليست أن يصبح الإنسان أكثر انحناءً، وإنما أن يصبح أكثر وعياً ومسؤولية وإنسانية.
أن يركع الجسد، نعم.
لكن الأهم أن يستقيم العقل.
أن يسجد الجسد، نعم.
لكن الأهم ألا يسجد العقل للخرافة والجهل والاستبداد.
الله يريد الإنسان الذي يفكر
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يتوقف عن السؤال.
فحين يموت السؤال يموت العقل، وحين يموت العقل يصبح الإنسان قابلاً لأن تقوده أي سلطة، وأن تفرض عليه أي فكرة، وأن تحوّل الدين إلى وسيلة لإخضاعه بدلاً من أن يكون طريقاً لتحرير وعيه.
إن الله الذي وهب الإنسان العقل لا يمكن أن تكون إرادته أن يعطّل الإنسان هذه النعمة.
ولهذا فإنني أرى أن العلاقة الأعمق بين الإنسان والله تمر عبر العقل: عقل يتأمل، ويسأل، ويبحث، ويكتشف، ويعترف بحدوده، ويظل مفتوحاً أمام المجهول.
فكلما اتسعت معرفة الإنسان بالكون، اتسعت أسئلته.
وكلما اتسعت أسئلته، ازداد تواضعه أمام عظمة الوجود.
وهنا يصبح العقل طريقاً إلى الله، لا حاجزاً عنه.
خاتمة
الله لا يحتاج إلى أجسادنا لكي تزيده عظمة، ولا يحتاج إلى ركوعنا لكي يكتمل ملكه.
نحن الذين نحتاج إلى العقل لكي نفهم، وإلى المعرفة لكي نرتقي، وإلى الوعي لكي نصبح جديرين بالإنسان الذي أراده الله في الأرض.
لذلك أقول:
الله يريد عقولنا قبل أجسادنا، ويريد وعينا قبل حركاتنا، ويريد إنساناً يفكر قبل إنسان يكرر.
فالركوع قد يكون حركة جسد، أما التفكير فهو حركة روح.
والسجود قد يكون انحناء الرأس، أما التعقل فهو تحرير العقل من الجهل.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكبر ليس:
كم مرة ركعنا وسجدنا؟
بل:
كم مرة استخدمنا العقل الذي أعطانا الله إياه لكي نفهم أنفسنا، ونفهم العالم، ونفهم عظمة الخالق؟
د. صالح الشقباوي أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع جامعة الجزائر 2