المؤتمر الثامن … حين تتحول اللحظة التنظيمية إلى مشروع إنقاذ وطني

بقلم: شادي عياد

الرسالة رقم” ١”

ليس كل مؤتمر هو موعدًا تنظيميًا فقط وليس كل اجتماع سياسي قادرًا على أن يلامس وجدان شعب أنهكته السنوات وتعبت من حمله الجغرافيا.
لكن هناك لحظات نادرة تتجاوز في معناها حدود القاعة وأسماء المشاركين وجدول الأعمال، لتصبح موعدًا مع التاريخ نفسه .لحظة يلتقي فيها الوعي بالمسؤولية وتلتقي فيها الإرادة الوطنية بحاجة الناس إلى الأمل وتتحول فيها السياسة من إدارة يومية للأزمات إلى مشروع إنقاذ وطني شامل.

هنا تحديدًا يجيء هذا المؤتمر بوصفه أكثر من استحقاق تنظيمي لحركة حملت اسم فلسطين في أصعب المنعطفات وأكثر من محطة داخلية لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي.
إنه في جوهره العميق فرصة وطنية كبرى لترميم الحالة الفلسطينية وإعادة وصل ما انقطع بين الفكرة ومؤسساتها وبين الجماهير وقيادتها وبين الحلم الوطني ومتطلبات المرحلة الجديدة.

ففلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى خطاب سياسي متماسك، بل إلى بنية نظام سياسي قوي ومتكامل قادر على حماية المشروع الوطني واستيعاب التحولات الكبرى التي تضرب الإقليم والعالم ومؤهل لترجمة تضحيات شعبنا إلى مؤسسات أكثر كفاءة وعدالة وحضورًا في حياة الناس اليومية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية .
ومن هنا، فإن المؤتمر يجب أن يُقرأ باعتباره بوابة إعادة بناء الثقة: ثقة المواطن بحركته وثقة الكادر بدوره وثقة العالم بأن الشعب الفلسطيني رغم كل الظروف القاسية ما زال يمتلك القدرة على إنتاج نموذج سياسي حديث متماسك وجدير بالحياة.

إن عظمة هذه اللحظة لا تكمن فقط في القرارات التي قد تصدر عنها ، بل في الرسالة المعنوية والسياسية التي يبعثها المؤتمر إلى كل بيت فلسطيني:
أن حركة فتح بما تمثله من تاريخ وتضحيات وعمق شعبي تريد أن تكون في طليعة الجهد الهادف إلى بناء مرحلة جديدة يكون فيها القانون أقوى والمؤسسة أكثر حضورًا والمساءلة أوضح والكفاءة معيارًا والشراكة الوطنية أفقًا مفتوحًا لا يُغلق.

إن شعبنا الذي صبر طويلًا يستحق أن يرى في هذا الحدث الكبير بداية لنهج مختلف ،نهج يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني ولكرامته ولحقوقه ولثقته بأن نظامه السياسي قادر على النهوض مهما اشتدت العواصف.
فالمؤتمر إذا أحسنّا التقاط رسالته يمكن أن يكون لحظة انتقال من إدارة التعب إلى صناعة الأمل ومن رد الفعل إلى الفعل ومن استهلاك الوقت إلى إنتاج المستقبل.

وإلى العالم أيضًا، تخرج من هذه اللحظة رسالة واضحة لا لبس فيها:
إن الشعب الفلسطيني لا يُعرّف نفسه فقط بوجعه بل بقدرته المستمرة على البناء.
نحن شعب يريد دولة ومؤسسات ونظامًا سياسيًا متكاملًا وقويًا يليق بتضحياته ويستجيب لتحديات عصره ويؤكد أن الرغبة في الحياة السياسية السليمة لا تنكسر تحت وطأة الاحتلال ولا تحت ثقل الأزمات.

لهذا، فإن المؤتمر ليس مناسبة عابرة بل مسار وطني يجب استثماره بكل أدوات الفكر والإعلام والتنظيم والسياسة، حتى يتحول إلى نقطة ارتكاز حقيقية في رحلة ترميم المشروع الفلسطيني واستعادة الثقة وإطلاق طاقات المجتمع نحو مستقبل أكثر ثباتًا وقوة.

إنها لحظة يجب أن نكتبها بوعي ونحرسها بالأمل ونبني عليها ما يستحقه هذا الشعب العظيم:
نظامًا سياسيًا قويًا تحت ظل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات راسخة وفتحًا أكثر قربًا من نبض الناس وفلسطين أكثر قدرة على النهوض من بين الركام.