المؤتمر الثامن… معركة الوعي والسيادة في مواجهة مشاريع التفكيك

بقلم :شادي عياد

في التحولات الكبرى التي تصنع مصير الشعوب لا تنتصر الحقيقة بالأرقام، بل بالرؤية، ولا تصمد الأوطان بالحدود وحدها، بل بالهوية والإرادة.

تأتي أهمية المؤتمر العام الثامن لحركة فتح في هذه اللحظة التاريخية بوصفه محطة مفصلية في مسار المشروع الوطني الفلسطيني، لا مجرد استحقاق تنظيمي. فهو يأتي في زمن تتكثف فيه التحديات وتتسارع فيه محاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يهدد جوهر القضية وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية.

فالقضية الفلسطينية اليوم لا تواجه فقط احتلالًا على الأرض، بل مشروعًا متكاملًا يستهدف الوعي والتمثيل والقرار الفلسطيني المستقل. منظومة الاحتلال، وخاصة تياراتها الأكثر تطرفًا تعمل بشكل واضح على إضعاف البنية الوطنية الفلسطينية ومحاصرة مؤسساتها ومحاولة تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من دورها كإطار جامع ومرجعية سياسية للشعب الفلسطيني أينما وجد.

من هنا، لا يمكن قراءة المؤتمر الثامن إلا باعتباره جزءًا من معركة أوسع: معركة حماية المشروع الوطني الفلسطيني من محاولات التفكيك وإعادة الصياغة خارج الإرادة الفلسطينية.

إن السيناريوهات المطروحة أمام الفلسطينيين اليوم ليست عابرة، بل تمس جوهر الوجود السياسي الوطني:

* سيناريو يسعى إلى تفكيك المشروع الوطني وإحلال بدائل مشوهة تنتزع من الفلسطينيين حقهم في القرار والتمثيل.
* وسيناريو الجمود الذي يُبقي الواقع الفلسطيني في حالة استنزاف دائم، ويمنح الاحتلال مساحة أوسع لفرض وقائع على الأرض.
* وسيناريو المواجهة الواعية، القائم على تجديد المؤسسات الوطنية وتعزيز الشرعية الفلسطينية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كبيت جامع لكل الفلسطينيين.

وفي قلب هذا المشهد، تبقى حركة فتح برموزها الوطنية لاعبًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه، ليس فقط باعتبارها حركة سياسية، بل باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني وحاضنته التاريخية، وإحدى أهم ركائزه في مواجهة محاولات الإضعاف والتفكيك.

إن المؤتمر الثامن في هذا السياق يجب أن يكون محطة لإعادة التوازن الداخلي وتجديد الخطاب الوطني وتعزيز حضور الحركة في الشارع الفلسطيني، خصوصًا بين الأجيال الشابة، بما يعيد وصل ما انقطع بين التاريخ والمستقبل وبين الفكرة والممارسة.

إن ما يواجهه الرئيس محمود عباس اليوم ليس مجرد إدارة مرحلة سياسية فقط بل مسؤولية الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة دقيقة تُطرح فيها بدائل خطيرة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية تدريجيًا عبر تقويض مؤسساتها الشرعية.

ولهذا، فإن المؤتمر الثامن لا يُقاس فقط بنتائجه التنظيمية، بل بقدرته على إنتاج رؤية وطنية جامعة تعزز وحدة الصف الفلسطيني، وتعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية وتؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية ستبقى المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني.

إن المرحلة القادمة هي مرحلة سيادة ووعي بامتياز، تتطلب وضوحًا في الرؤية وصلابة في الموقف وتماسكًا داخليًا يحمي المشروع الوطني من محاولات الاستنزاف والتفكيك.

فالاحتلال لا يعمل فقط على الأرض، بل يعمل على الوعي وعلى البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية، بهدف إضعاف القدرة على الصمود وإرباك القرار الوطني. لكن الشعب الفلسطيني الذي صمد لعقود طويلة في وجه كل أشكال الاحتلال والحصار والانقسام، لا يزال يمتلك القدرة على إعادة بناء وحدته الوطنية إذا ما توفرت الإرادة والرؤية.

ختامًا،
فإن المؤتمر الثامن يجب أن يكون لحظة وعي وقرار لا لحظة انقسام ولحظة تجديد لا لحظة استهلاك.
ففلسطين أكبر من كل الحسابات وأكبر من كل المواقع وأكبر من كل الخلافات.

إنها معركة وجود ومعركة وعي ومعركة سيادة،
ولا مكان فيها إلا لمن يؤمن بأن هذا الوطن يستحق أن يُحمى وأن يُبنى وأن يبقى حيًا في وجه كل محاولات الإلغاء.

فلسطين ستبقى
والمشروع الوطني سيبقى
وحركة فتح ستبقى جزءًا أساسيًا من هذا المسار حتى نصل إلى الهدف الأكبر:
القدس حرة ودولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة.