ليس أخطر على الأمم من موت ضمير مثقفيها، لأنّ المثقف، في جوهر وظيفته التاريخية، ليس مجرّد منتجٍ للمعرفة، بل حارسٌ للمعنى، وشاهدٌ أخلاقيّ على العصر، وصوتٌ يقظٌ في مواجهة العتمة. وحين يموت المثقف أخلاقياً، لا يسقط فردٌ بعينه، بل تسقط معه إمكانية الوعي الجماعي، ويتحوّل العقل من أداة تحرّر إلى جهاز تبرير، ومن قوة نقد إلى مؤسسة تزييف.
لقد كان المثقف، منذ سقراط حتى غرامشي، ضمير المجتمع القلق، والكائن الذي يزعج السلطات والأساطير والأوهام. فسقراط شرب السمّ لأنّه رفض أن يخون الحقيقة، واعتبر أن الحياة التي تخلو من مساءلةٍ نقدية لا تستحق أن تُعاش. أما أنطونيو غرامشي فقد رأى أنّ المثقف الحقيقي ليس موظفاً في بلاط السلطة، بل فاعلٌ تاريخيّ يُعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، ويقاوم الهيمنة الثقافية التي تُنتج الخضوع والطاعة العمياء.
غير أنّ جزءاً كبيراً من المثقف العربي المعاصر انزلق من موقع النقد إلى وظيفة التبرير، ومن شجاعة السؤال إلى انتهازية الصمت. لقد مات أخلاقياً حين استبدل الحقيقة بالمصلحة، والحرية بالامتياز، والكرامة بالتصفيق. ولم يعد كثيرٌ من المثقفين ــ إلا من رحم الضمير ــ يكتبون من أجل الإنسان، بل من أجل السلطة، أو الطائفة، أو السوق، أو الشهرة الرقمية.
وقد تنبّه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى هذه المأساة حين أكّد أنّ مهمة المثقف هي «قول الحقيقة في وجه السلطة»، لا التحوّل إلى بوقٍ لها. فالمثقف الذي يفقد استقلاله الأخلاقي يفقد شرعيته الرمزية، مهما امتلك من ألقابٍ وشهادات ومنابر. لأنّ الثقافة ليست زخرفة لغوية، بل موقفٌ أخلاقيّ من الظلم والاستلاب والقهر.
إنّ الموت الأخلاقي للمثقف العربي لا يظهر فقط في الصمت أمام الاستبداد، بل أيضاً في تبرير القبح، وتطبيع الكذب، وتزيين الخراب بلغةٍ أكاديمية مخادعة. هنا يتحوّل الفكر إلى قناعٍ أيديولوجي، وتتحوّل البلاغة إلى عملية تجميل لجثة الحقيقة. وقد وصف المفكر السوري صادق جلال العظم هذا النمط من المثقفين بأنّه «وعيٌ مهزوم»، لأنّه عاجز عن ممارسة النقد الحر، وخائفٌ من مساءلة البُنى السياسية والاجتماعية والدينية التي تُعيد إنتاج التخلف.
لقد أدرك عبد الرحمن الكواكبي، منذ القرن التاسع عشر، أنّ الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل بحاجةٍ إلى طبقةٍ من المثقفين والفقهاء والمبرّرين الذين يمنحونه الشرعية الرمزية. ولذلك قال في طبائع الاستبداد: «المستبدّ يتّخذ بطانةً من أهل العلم يعينونه على ظلم الناس باسم الدين أو الحكمة أو المصلحة». وهذه العبارة تبدو اليوم أكثر راهنيةً من أيّ وقتٍ مضى.
وإذا كان الطبيب يُقسم على حماية الجسد من الموت، فإنّ المثقف الحقيقي يُفترض أن يحمي الروح الجماعية من التعفن الأخلاقي. وهنا نستحضر الطبيب والمفكر المصري مصطفى محمود، الذي رأى أنّ أزمة الإنسان العربي ليست أزمة ذكاء، بل أزمة ضمير. فالذكاء بلا أخلاق قد يُنتج طغياناً أكثر أناقة، لكنه لا يبني حضارة. وكذلك نبّه الطبيب النفسي والمفكر علي الوردي إلى خطورة الانفصال بين القيم المعلنة والسلوك الواقعي، معتبراً أنّ المجتمعات التي تعيش ازدواجيةً أخلاقية تُنتج مثقفاً منافقاً يتقن الخطابة أكثر من ممارسة الحقيقة.
إنّ أخطر ما في هذا الموت الأخلاقي أنّه لا يحدث دفعةً واحدة، بل بالتدريج: يبدأ بالصمت، ثم بالمجاملة، ثم بالتبرير، ثم بالتورط الكامل في صناعة الوهم. وحينها يصبح المثقف جزءاً من آلة القمع الرمزي، لا ضحيةً لها فقط.
لقد تحدّث الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عن «السقوط في اليوميّ»، أي ذوبان الإنسان في القطيع وفقدانه أصالته الوجودية. وهذا ما أصاب كثيراً من المثقفين العرب الذين استبدلوا قلق الفكر براحة التكرار، واستبدلوا مغامرة الحقيقة بأمان الامتثال. فالمثقف الذي لا يزعج عصره، ولا يقلق البنية السائدة، ليس سوى موظفٍ لغويّ يرتدي قناع الحكمة.
لكنّ الصورة ليست قاتمةً بالكامل؛ فما يزال هناك مثقفون عرب يدفعون ثمن الكلمة الحرة نفياً وسجناً وتشويهاً وعزلة. هؤلاء هم البقية الباقية من شرف الثقافة العربية، لأنهم فهموا أنّ المثقف لا يُقاس بكمية ما يكتب، بل بقدرته على الدفاع عن الإنسان حين ينهار الجميع.
إنّ النهضة العربية لن تبدأ من تراكم المعلومات، بل من استعادة المعنى الأخلاقي للثقافة. فالأمم لا تسقط حين تجهل فقط، بل حين يتحوّل مثقفوها إلى شهود زور، أو تجّار لغة، أو كهنةٍ للسلطة. وحين يموت الضمير الثقافي، يصبح الخراب أكثر أناقة… وأكثر شمولاً.







