في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات وتنهار اليقينات، لم يعد المثقّف العربي يقف على تخوم المشهد، بل وجد نفسه في قلب مأزق تاريخي مركّب، تتقاطع فيه أسئلة الدور والمعنى والجدوى. فبين سلطةٍ تُضيّق أفق النقد، وجماهير تستهلك الخطاب أكثر مما تُنصت إليه، وسوقٍ يُقايض الفكرة بالانتشار، يغدو المثقّف مطالباً بإعادة تعريف ذاته ووظيفته. إنّ السؤال اليوم لم يعد: ماذا يقول المثقّف؟ بل: كيف يفكّر، ومن أي موقع يتكلم، وبأي أدوات يُقاوم تآكل المعنى؟ من هنا، تأتي هذه القراءة محاولةً لتفكيك موقع المثقّف العربي في زمن التحوّلات، واستجلاء التحديات التي تحاصره، والآفاق الممكنة لدوره بوصفه فاعلاً نقدياً لا شاهداً صامتاً، وصانع معنى لا مجرّد صدى للواقع.
أولاً . في تحليل السياق التاريخي والثقافي للمثقّف العربي:
لم يكن المثقّف العربي كائناً طارئاً في تاريخ الاجتماع العربي، بل وُلِد في قلب التوتر بين المعرفة والسلطة، وبين الوعي والواقع. فمنذ عصر النهضة العربية، تشكّل المثقّف بوصفه حامل مشروع: إصلاحي، تحرّري، أو تحديثي، لكنه ظلّ، في الغالب، محكوماً بثنائية قاتلة؛ إما الانخراط في جهاز السلطة بما يفقده استقلاله، أو الارتهان لهامش النقد بما يجرّده من الفاعلية. ومع تعاقب الانكسارات التاريخية—من فشل الدولة الوطنية، إلى هزائم السياسة، إلى صعود الأيديولوجيات المغلقة—تحوّل المثقّف من فاعل تاريخي إلى شاهد قَلِق، ومن ضمير جمعي إلى فرد معزول في ضجيج الجماهير.
ثقافياً، واجه المثقّف العربي قطيعة مزدوجة: قطيعة مع تراث لم يُهضم بعد، وقطيعة مع حداثة لم تُستوعب. فبقي معلقاً بين استدعاءٍ انتقائي للماضي، وتبنٍّ مشوَّه لنماذج الآخر، دون أن ينجح، في كثير من الأحيان، في إنتاج معرفة متجذّرة في الواقع وقادرة على مساءلته.
ثانياً. في واقع المثقّف العربي اليوم
اليوم، يقف المثقّف العربي في قلب عاصفة التحوّلات الكبرى: تحوّلات سياسية متسارعة، تفكك في البنى الاجتماعية، سيولة في القيم، وانفجار غير مسبوق في وسائل التواصل والمعرفة. لكنه، يبدو أكثر هشاشة وأقل تأثيرًا. لقد تراجعت مكانته الرمزية، لا لأن الفكر فقد قيمته، بل لأن السوق، والإعلام الشعبوي، وخطابات التبسيط العاطفي، صادرت المساحة التي كان يحتلها العقل النقدي.
لم يعد المثقّف يُصغي إليه بوصفه منتج معنى، بل يُطالَب بأن يكون “معلّقاً”، أو “ناشطاً”، أو مجرّد صدى لتيار سائد. وهنا تتجلى المأساة: المثقّف لم يُهزم فقط من الخارج، بل استقال أحياناً من الداخل، حين استبدل التفكير بالتكيّف، والنقد بالمجاراة.
ثالثاً. التحدّيات الراهنة التي تواجه المثقّف العربي:
أولى هذه التحدّيات هي الاستبداد المركّب: استبداد سياسي مباشر، واستبداد ثقافي غير مرئي تمارسه الجماعة، والطائفة، والرأي العام الغاضب. ثانيها تفكك المرجعيات؛ حيث لم يعد هناك أفق فكري جامع، بل شظايا خطابات متصارعة تبتلع المثقّف أو تعزله. ثالثها تسليع الثقافة، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة، وبالانتشار لا بالاختراق المعرفي.
ثم هناك تحدّي اللغة نفسها: لغةٌ أنهكها الخطاب الأيديولوجي، وفقدت قدرتها على الدهشة، وأصبحت في كثير من الأحيان أداة تبرير لا أداة كشف.
رابعاً. كيف يمكن للمثقّف أن يساهم في التغيير؟
لا يبدأ التغيير من الشعارات، بل من استعادة المثقّف لوظيفته الأصلية: زعزعة البداهات. دور المثقّف ليس أن يقود الجماهير، بل أن يقلقها، لا أن يقدّم أجوبة جاهزة، بل أن يعيد طرح الأسئلة المؤجَّلة. عليه أن ينتقل من موقع “الواعظ” إلى موقع “الناقد البنيوي”، ومن ردّ الفعل إلى بناء الرؤية.
المثقّف الحقيقي لا يخاصم المجتمع، لكنه لا يهادنه. يشتغل داخل تناقضاته، ويفكك آلياته الرمزية، ويعيد وصل المعرفة بالواقع المعيش، دون أن يسقط في فخ الشعبوية أو النخبوية المعقمة. التغيير الذي يصنعه المثقّف هو تغيير بطيء، عميق، طويل النفس؛ تغيير الوعي قبل تغيير الوقائع.
خامساً. الأدوات والتقنيات: نحو مثقّف أكثر تأثيراً
في زمن الرقمنة، لم يعد الكتاب وحده كافياً، ولا المنبر التقليدي مجدياً. على المثقّف أن يُتقن أدوات العصر دون أن يفقد روحه:
إعادة ابتكار اللغة: لغة دقيقة، جمالية، لكنها مفهومة، قادرة على الجمع بين العمق والوضوح.
الاستثمار النقدي في المنصّات الرقمية لا بوصفها فضاءات استعراض، بل ساحات تفكير عمومي.
التقاطع المعرفي بين الفلسفة، وعلم الاجتماع، والسياسة، والأنثروبولوجيا، لتفكيك الواقع تفكيكاً مركّباً.
الاستقلال الأخلاقي بوصفه أداة تأثير قبل أن يكون موقفاً أخلاقياً؛ فالمثقّف الذي يفقد استقلاله يفقد صوته، ومن يفقد صوته يتحوّل إلى ضجيج.
خاتمة:
المثقّف العربي اليوم ليس مطالباً بأن يكون بطلاً، بل أن يكون صادقاً مع مهمته. ففي زمن التحوّلات الكبرى، لا يُقاس تأثير المثقّف بما يغيّره فوراً، بل بما يمنع من أن يُنسى: السؤال، والمعنى، وحق العقل في أن يقول “لا”.
وإذا كان الواقع العربي مثقلاً بالخراب، فإن وظيفة المثقّف ليست ترميم الوهم، بل فضح الكسر… لأن الوعي، وإن تأخر، هو الشرط الأول لكل نهوض.






