بكر أبوبكر
كان يعيد الرواية وكأنها حقيقة! فلما كرّرها مستندًا للقرآن الكريم كان لا بد من إيقافه وإظهار خطل ما يقوله أو يتوسع به وخضوعه للتزييف والتزوير والخداع عبر الزمن، رغم سيادة الرواية.
حصل التزوير أو الاقتباس والسرقة أو التحريف للأحداث التاريخية من الآخرين مع بهارات الأماني والطموحات والأحلام بسعي قديم من كَتَبة التوراة (خاصة السبعينية)، ثم ما كان من الانشقاق المسيحي مع البروتستانتية و”مارتن لوثر” في القرن 16 حتى دخول أصابع المستشرقين التوراتيين والمسيحية الصهيونية إلى الميدان لجعل فلسطين وكأنها مسرح الأحداث التاريخية والجغرافية في محاولة يائسة لإثبات صحة تاريخية التوراة أي كأنها حقائق وقعت، بلا أي تعديل .
الرجل حاول بتوسعه وشططه أن يعطي حقًا تاريخيًا للمحتلين في فلسطين! وفتح الباب للصراع معهم من طاقة الدين على اعتبار أنهم القدماء أنفسهم! والمشمولون بالآية الكريمة قطعًا (رغم أن اليهود الحاليين المحتلين لفلسطين هم من كل جنسيات العالم وقومياتها-خاصة الخزر)! وما سيرة القبيلة ضمن الآيات إلا من باب النموذج والمثل للفعل والعقوبة.
قال لي معاندًا: أنا أحفظ القرآن؟
قلتُ: كان الخوارج من حُفّاظ القرآن؟
قال: ما قصدك؟
قلت: أنت حافظ نعم ولكن غير فاهم.
ومع امتعاضه عاد إلى الآية الكريمة مثار النقاش مصرًا على رأيه وأمام حشد من الناس يوقرونه لطول لحيته، التي لم تعنِ مع نموذجه إلا مركبًا متكاملًا من الجهل المغموس بالخرافات.
قال لهم: إننا أمام “وعد الآخرة” والساعة قريبة وسنقضي على بني إسرائيل!
صرخت به: ولكن هؤلاء المحتلين ليسوا بني إسرائيل!
قال: وهل أنت أفهم من القرآن؟!
أوقفته قسرًا وبدأت بالشرح -ليس له- بل للجمع الملتئم المستمع له، ومستندًا الى الآية المذكورة بتفسيراتها…فبُهت الذي كفر!
تقول الآية الكريمة مثار النقاش والجدل: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء:7).
وفي صدر الآية وضوح لا يغيب عن الإنسان العاقل وبالطبع لم يغب عن المفسرين الذين اعتبروا الآية تتعرض للعاقبة المرتبطة بالعمل من سوء أو إحسان. ويليها الحديث عن قبيلة عربية هي قبيلة بني إسرائيل القديمة المندثرة (تُرسم إسرءيل) التي قتلت الرسل واشتهرت بالعصيان واتسمت بالجحود وفق نصوص الآيات المختلفة موضحة “الوعد الإلهي” بأن لكل أمر عاقبته، فكانت المرة الأولى ثم الثانية أو الآخرة (كما نقول جمادى الأولى وجمادى الآخرة أي الثانية، وليس الآخرة بمعنى يوم القيامة كما قال الجاهل الملتحي).
ولحُسن التبيان عدنا لعديد التفاسير حول “وعد الآخرة” ودخول المسجد والتتبير والعاقبة فكانت المفاجأة التي لحقت بالرجل الحافظ وليس الفاهم كالتالي:
1-المفسرون متفقون على أن “وعد الآخرة” معناهُ الوعد الثاني من الوعدين المذكورين في الآية 7 من سورة الإسراء وفي إطار الجزاء والعاقبة للعمل، ويقصد به المرة الثانية من إفساد القبيلة القديمة (أي قبيلة بني إسرءيل) وقد انقضت.
2-يذكرون أن المسجد المذكور هو في القدس أو بيت المقدس. رغم أن هناك حديثًا عشرات الأبحاث الرصينة التي ترفض حقيقة التفسير للمكان أنه المذكور في فلسطين وترجعه إلى اليمن القديم. وفي جميع الأحوال فالأمر انقضى وتم.
3-في خلاصة التحقق والانقضاء فإن جمهور المفسرين (الطبري، البغوي، القرطبي، ابن كثير، ابن عاشور، رشيد رضا ومحمد عبده في المنار، سيد قطب، الأصفهاني، الصابوني) يقولون إن “الوعد الثاني/هو وعد الآخرة” قد وقع وانقضى بتسليط الفرس والروم حتى قتلوا وسبوا ونفوا ودُخل المسجد ودُمّر ما علوا.
4-يتفرد البغوي والقرطبي بحمل ﴿إذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا﴾ (الإسراء 104 ) على أنه يوم القيامة، ولكن دون أي صِلة بملك دنيوي قط. أما بخصوص عقوبة الإفساد الثاني فذهبا إلى أنها تحققت بالماضي على يد ملوك الفرس أو الروم كما سبقت الإشارة.
5-محمد متولي الشعراوي، وكذلك الشيخ محمد الحسن ولد الددو يفسران وعد الآخرة بأنه التجمع الحالي لليهود في فلسطين لتبدأ عقوبتهم، والشيخ محمد أبو زهرة يفسر وعد الآخرة بيوم القيامة وانتهاء الدنيا. وقد تأثرت المدرسة المعاصرة وخاصة (الإخوانية-نسبةً إلى الإخوان المسلمين) بهذه الآراء فرأت أن العلو الإسرائيلي الحالي لمحتلي فلسطين يعني أن عقوبة الوعد الثاني مستقبلية. ويقترب من هذا المفهوم الشيخ يوسف القرضاوي مع تميزه في سياق ﴿وإن عدتم عدنا﴾ (الإسراء8 )
وفي ملاحظاتنا التكميلية نقول:
1- المقصود ببني إسرائيل أنهم غير تابعي الديانة اليهودية-من كل جنسيات العالم- لأن بني إسرائيل قبيلة عربية قديمة مندثرة، كغيرها من القبائل (العرب البائدة) وانتهى أثرها أو اندمجت.
2-أما اليهود فهم أصحاب الديانة التي سميت لاحقًا اليهودية وأحد أسباب التسمية يعود لارتباطها بإمارة يهودا، وأصبح يطلق على سكان هذه المملكة أو الإمارة المتبقين اسم “اليهود” (Yehudim)، وتحولت التسمية تدريجيًا من دلالة جغرافية وسياسية تخص منطقة أومملكة محددة إلى اسم يشمل كل من يدين بهذه الديانة.
3-بافتراض أن إمارة (أو بالتضخيم مملكة) يهودا والسامرة أو “إسرءيل” وجدت في فلسطين (ما لم يثبت من علم الآثار قط كما قلنا) فإنه في فلسطين كانت 30-40 مملكة/دويلة/إمارة/مشيخة قبلية رعوية فلسطينية مختلفة، وكما يوضح العالم “طوماس طومسون” في أبحاثه الأنثروبولوجية السياسية فكل مدينة أو منطقة تمثل مملكة/إمارة صغيرة بذاتها، يحكمها شيخ قبيلة أو ملك محلي يدين بالولاء والجزية للقوى الإمبراطورية العظمى المحيطة (مثل الإمبراطورية المصرية في العصر البرونزي المتأخر، أو الإمبراطورية الآشورية والبابلية لاحقاً)، مما ينفي تاريخياً إمكانية قيام إمبراطورية محلية مستقلة ابتلعت تلك الممالك قديماً.
4-مسرح التوراة أو جغرافيا وتاريخ التوراة ضمن السائد والمشهور هو في فلسطين والجوار، لكن الآثار عامة تكذّب ذلك ففي كتب كل من: كمال الصليبي وفرج الله صالح ديب وفاضل الربيعي وأحمد داوود وزياد منى ومحمد جعفر السقاف وعمر شوتر والكثيرين ما يذهب إلى أنها في اليمن القديم، أما أحمد الدبش فيثبت خطل روايات التوراة، وكان قد حدد المكان بجنوب الجزيرة ثم اكتفى بإثبات الزيف دون تحديد المكان.
5-ليس لأتباع أي ديانة حق تملك أرض الديانة أو الرسول! وإلا لكان من حق الإندونيسي والماليزي والباكستاني مثلًا الادعاء بملكية أرض مكة والمدينة موطن الرسول عليه السلام.
6-يُكَذّب علماء الآثار وعلماء التاريخ الإسرائيليون ويشككون في روايات التوراة التاريخية أمثال إسرائيل فنكلستاين وزئيف هرتزوغ وغيرهما، وكذلك شلومو زاند خاصة وكتبه (اختراع الشعب اليهودي، اختراع أرض إسرائيل، والأخير كتاب عرقٌ متوهم).
7-نكرّر أن اليهود من جنسيات وعرقيات العالم كله وهم المحتلون لفلسطين اليوم بأكثريتهم لا صلة لهم بالقبيلة القديمة المندثرة، فهم أغراب عن المنطقة وفلسطين تاريخيًا،وهم محتلون ظالمون غزاة ما جاءوا لفلسطين إلا كمستخربين (مستعمرين) كرُسُل الحضارة الغربية ضد الهمجيين البرابرة! وفق ما ذكره هرتسل في كتابه دولة اليهود (Der Judenstaat، 1896). أو نصًا:”علينا أن نشكّل هناك-في فلسطين- جزءاً من جدار دفاعي لأوروبا في آسيا، وموقعاً متقدماً للحضارة في مواجهة الهمجية (البرابرة)”.