المسيحية الفلسطينية: الجذور اللاهوتية، والبعد الجغرافي، ودورها في حماية الهوية الوطنية ومواجهة الرواية الصهيونية

بقلم وتحليل: د. صالح الشقباوي

أكاديمي وباحث في الفكر السياسي واللاهوتي

مقدمة

لم تكن المسيحية في فلسطين ديانة وافدة، ولا نتاجاً تاريخياً طارئاً، بل وُلدت في قلب الجغرافيا الفلسطينية، وتشكلت في سياقها التاريخي، وتبلورت لاهوتياً من رحم معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال الروماني. ومن هنا، فإن المسيحية الفلسطينية ليست مجرد انتماء ديني، بل هي مكوّن أصيل من مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، وجزء لا يتجزأ من صراع الوجود والذاكرة والحق على هذه الأرض.
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البيئة التاريخية واللاهوتية والجغرافية التي نشأ فيها العهد الجديد، وإبراز الدور المحوري للمسيحيين الفلسطينيين، واللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين، وعلى رأسها الدكتور رمزي خوري، في حماية الكيانية المسيحية الفلسطينية، وصون الهوية الوطنية، ومواجهة الرواية الصهيونية.
أولاً: البيئة التاريخية والجغرافية لنشوء العهد الجديد
نشأ العهد الجديد في فلسطين، في بيئة محتلة سياسياً من الإمبراطورية الرومانية، ومضطربة اجتماعياً، ومشحونة دينياً. في هذه الجغرافيا، دعا السيد المسيح إلى ثورة روحية وأخلاقية وإنسانية، لم تكن قطيعة تامة مع العهد القديم بقدر ما كانت إعادة تأويل جذرية لمفهوم العهد، والخلاص، والعدالة الإلهية.
لقد آمن المسيحيون الأوائل أن كتاباتهم الرسولية تحمل تدابير عهد جديد، فسمّوا التوراة “العهد القديم”، ليس انتقاصاً منها، بل تأكيداً على اكتمال الرسالة في العهد الجديد، حيث لم تعد العلاقة مع الله قائمة على العِرق أو الشعب المختار، بل على الإيمان والعدالة والمحبة.
ثانياً: المسيحية الفلسطينية بين العهد القديم والعهد الجديد
يميّز اللاهوت المسيحي الفلسطيني بوضوح بين:
لاهوت العهد القديم القائم على السرد القومي والاصطفاء الإثني.
لاهوت العهد الجديد القائم على الخلاص الإنساني الشامل، ورفض الهيمنة الدينية والسياسية.
ومن هنا، ترفض المسيحية الفلسطينية أي توظيف صهيوني للنصوص الدينية، وتعتبر أن المسيح جاء ليفكك منطق القوة، لا ليكرّسه، وأن الأرض ليست وعداً عرقياً، بل فضاءً أخلاقياً للعدل والسلام.
ثالثاً: دور المسيحيين الفلسطينيين في حماية الهوية الوطنية
شكّل المسيحيون الفلسطينيون عبر التاريخ رافعة ثقافية وفكرية ووطنية للمشروع الوطني الفلسطيني. فقد أسهموا في:
نصرة الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية.
دحض الرواية الإسرائيلية التي تسعى لطمس الوجود الفلسطيني المسيحي.
المشاركة الفاعلة في بناء مؤسسات الوطن السياسية والثقافية والتعليمية.
ولم ينظر المسيحي الفلسطيني إلى ذاته كأقلية، بل كمكوّن أصيل في شعب واحد، وقضية واحدة، ومصير واحد.
رابعاً: اللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين ورؤيتها للقدس
تنطلق اللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين من رؤية لاهوتية ووطنية تعتبر القدس:
مدينة الرب التي شهدت ميلاد الدعوة المسيحية، وآلام المسيح، وقيامته.
مدينة لم تعد أرضية فحسب، بل مدينة سماوية في الوعي المسيحي.
موطناً لأول كنيسة مسيحية في العالم: كنيسة القيامة، أمّ الكنائس، ومنها انطلقت أولى دعوات الرسل.
ومن هنا، فإن الدفاع عن القدس ليس دفاعاً سياسياً فقط، بل دفاعاً عن جوهر الإيمان المسيحي نفسه.
خامساً: حماية الأملاك الكنسية المسيحية
تضطلع اللجنة بدور مركزي في حماية الأملاك الكنسية المسيحية في فلسطين، لا سيما في القدس، حيث تمتلك الكنيسة الأرثوذكسية ما يقارب ربع مساحة البلدة القديمة (نحو 1 كم²).
وتأتي هذه الجهود في مواجهة:
محاولات التهويد والاستيطان.
صفقات البيع المشبوهة.
الضغط السياسي والاقتصادي على الكنائس.
إن حماية هذه الأملاك هي حماية للذاكرة المسيحية الفلسطينية، وللهوية التاريخية للقدس.
سادساً: الدكتور رمزي خوري – الإيمان، الوطن، ومواجهة الرواية الصهيونية
يجسّد الدكتور رمزي خوري نموذجاً فريداً في الجمع بين:
الإخلاص الكامل لفلسطين.
التمسك العميق بالإيمان المسيحي.
الموقف الفكري والسياسي الحاسم في دحض الرواية الصهيونية حول النكبة.
لقد حمّل الدكتور خوري إسرائيل المسؤولية الكاملة عمّا جرى للشعب الفلسطيني من قتل ودمار وتشريد، مؤكداً أن ما يحدث اليوم في غزة ليس استثناءً، بل امتداداً لبنية استعمارية عنصرية واحدة.
سابعاً: أبو عمار، رمزي خوري، وصمود المسيحية الفلسطينية
أدرك الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار)، ومعه الدكتور رمزي خوري، مبكراً أهمية العامل المسيحي الفلسطيني في:
خدمة القضية الفلسطينية في الدائرة المسيحية العالمية.
مواجهة المسيحية الصهيونية، خاصة في أوروبا وروما والفاتيكان.
تعزيز صمود المسيحية الفلسطينية بوصفها مسيحية تحررية لا استعمارية.
لقد شكّل هذا الدعم رداً طبيعياً وأخلاقياً على محاولات تسييس المسيحية وتوظيفها لصالح الاحتلال.
خاتمة
إن المسيحية الفلسطينية ليست ديناً محايداً في معركة الوجود، بل هي مسيحية مقاومة، شاهدة، ومنتصرة للحق. وقد شكّل الدور المشترك للرئيس أبو عمار، والدكتور رمزي خوري، واللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين، سداً منيعاً في وجه تهويد الأرض، وتزوير التاريخ، وتشويه اللاهوت.
وفي زمن الإبادة في غزة، يعود صوت المسيحية الفلسطينية ليقول:
الحق لا يُقهر، والذاكرة لا تموت، وفلسطين ستبقى أرض القيامة والعدل معاً.

✍️ د. صالح الشقباوي
أكاديمي وكاتب فلسطيني
الجزائر – فلسطين