في منتصف التسعينات تنبّه المفكّر عبد الوهاب المسيري إلى ظاهرةٍ أخذت تتصاعد في المجتمعات الغربية، فكتب دراسة بحثية في الولايات المتحدة أثارت جدلًا واسعًا، حتى إن قبولها تأخر لسنوات بسبب صدمتها لكثير من المشرفين هناك.
يرى المسيري أن الدفاع الشرس عن المثلية والدعوة إلى تطبيعها لا يمكن اختزاله في خطاب التسامح أو تفهم الاختلاف، بل هو في جوهره محاولة لهدم فكرة المعيارية الإنسانية نفسها، أي وجود طبيعة بشرية ثابتة يمكن أن نقيس بها السلوك ونحكم من خلالها على ما هو إنساني وما هو منحرف عنها.
وقد وصل المسيري إلى هذه الرؤية من خلال ملاحظة مفارقة لافتة في المجتمع الغربي:
فمع كل هذا الانفتاح والقدرة على إقامة العلاقات بلا قيود تقريبًا، لم تختفِ ظواهر التحرش والاعتداء، بل بقيت حاضرة.. وهذا ما دفعه للتساؤل: إن كانت الحرية الجنسية هي الحل، فلماذا لم تنتهِ المشكلة؟
مع التدقيق، رأى أن المسألة ليست مجرد سلوكيات فردية، بل مرتبطة برؤية فلسفية كاملة للإنسان والوجود.. ولتوضيح الفكرة كان يستشهد أحيانًا بمثال من الحضارة الرومانية القديمة: حيث كان بعضهم يأكل حتى التخمة، ثم يتقيأ ليعود إلى الطعام مرة أخرى.. لم يكن الهدف سد الجوع، بل ملاحقة اللذة نفسها.
ومن هنا صاغ المسيري تحليله: حين يُختزل الإنسان إلى كائن مادي، وتُختزل غاية الحياة في اللذة والاستهلاك، تظهر حالة من السعار في العلاقات.. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحاجات طبيعية أو إنسانية متوازنة، بل بالسعي الدائم إلى أقصى درجات الإشباع.
ويرى المسيري أن هذه الظواهر ليست منفصلة عن مناخ العدمية الذي يطبع كثيرًا من المجتمعات الغربية، حيث تتلاشى الغاية الكبرى للحياة، فيحاول الإنسان ملء الفراغ الوجودي بالانغماس في الشهوات واللذات، تعبيرًا عن خوفٍ داخلي وفقدانٍ للمعنى.
ولهذا كان رده صادمًا لبعض من ناقشوه: إذا كانت الفلسفة الحاكمة هي فلسفة اللذة الخالصة، فإن العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة قد تصبح – في هذا المنطق – عبئًا، لأنها تفرض نوعًا من المسؤولية، ومن الأخذ والعطاء، وقد تترتب عليها أسرة وأطفال ونوع من الاستقرار.. أما إذا كانت الغاية هي اللذة المجردة العابرة، فسيبحث الإنسان عن علاقات لا يقيدها التزام ولا تبعات.
بهذا التحليل حاول عبد الوهاب المسيري أن يقرأ الظاهرة لا كسلوك معزول، بل كنتاجٍ مباشر لرؤية حضارية كاملة تختزل الإنسان في جسده، وتختزل الحياة في الاستهلاك واللذة








