جاري التحميل...

المعركة ليست على مقاعد التشريعي… من يريد إسقاط فتح؟

بقلم :م .محمد علي العايدي

نحن أمام استحقاق انتخابي فلسطيني لا يجوز التعامل معه كأنه مجرد منافسة على مقاعد في المجلس التشريعي. فالمعركة القادمة، إذا جرت الانتخابات، ستكون معركة على شكل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى هوية المشروع الوطني، وعلى مستقبل حركة فتح ودورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.

والمثير للقلق أن المشهد بدأ يكشف عن محاولات لتشكيل تحالف انتخابي واسع يجمع تيار محمد دحلان مع حركة حماس وشخصيات وقوى أخرى، مع تداول اسم الدكتور مصطفى البرغوثي واحتمال انضمام قوى يسارية إلى هذا الإطار. وقد ظهرت بالفعل تقارير تتحدث عن اتصالات لتشكيل قائمة وطنية واسعة تضم قوى متباينة سياسيًا

السؤال هنا ليس: من حق هؤلاء أن يتحالفوا؟
بالطبع، لكل فلسطيني ولكل قوة سياسية الحق في خوض الانتخابات والتحالف كما تشاء.

لكن السؤال الأخطر هو:

هل نحن أمام تحالف انتخابي طبيعي، أم أمام مشروع لإعادة رسم الخريطة السياسية الفلسطينية على حساب حركة فتح والمشروع الوطني الذي حملته طوال عقود؟

إن جمع قوى متناقضة في المواقف والبرامج والتاريخ السياسي تحت عنوان واحد قد يبدو للبعض خطوة نحو التوافق، لكنه يحتاج إلى قراءة عميقة: ما البرنامج السياسي؟ ما الموقف من منظمة التحرير؟ ما شكل الدولة الفلسطينية؟ ما العلاقة بين السلطة والمنظمة؟ وما المشروع الوطني الذي سيحكم المرحلة القادمة؟

فالانتخابات ليست مجرد أرقام وصناديق وأصوات.
إنها تفويض سياسي.

فتح ليست مجرد اسم في قائمة

قد يختلف الفلسطينيون مع قيادة فتح، وقد يطالبون بالإصلاح والتغيير وتجديد الدماء، وهذا حق مشروع بل وضرورة وطنية.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين إصلاح فتح وبين إسقاط فتح.

فتح ليست ملكًا لشخص أو لجنة أو قيادة مؤقتة. إنها مدرسة سياسية صنعتها أجيال من المناضلين، وارتبط اسمها بتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وبمنظمة التحرير، وبالقرار الوطني المستقل.

ولهذا فإن أي محاولة لتفكيك فتح من الداخل أو تفتيت قاعدتها الانتخابية أو سحب شرعيتها التاريخية يجب ألا تمر أمام أبناء الحركة وكأنها مجرد خلاف انتخابي عابر.

نعم للإصلاح… نعم للمحاسبة… نعم لتجديد القيادة… لكن لا لتحويل فتح إلى ضحية لصراعات الآخرين.

لا نريد أن نستيقظ بعد الانتخابات على فلسطين مختلفة

التجربة الفلسطينية السابقة يجب أن تكون حاضرة في أذهان الجميع.

الانتخابات التشريعية ليست نهاية الطريق. نتائج الصناديق قد تفتح أبوابًا لتحالفات سياسية جديدة، وقد تعيد تشكيل السلطة ومؤسساتها وموازين القوى. وفي انتخابات 2021 التي أُلغيت لاحقًا، أظهرت استطلاعات الرأي أن شكل القوائم والتحالفات كان قادرًا على تغيير النتائج بصورة كبيرة، وأن تشتت الصوت الفتحاوي كان عاملًا بالغ الأهمية في الحسابات الانتخابية.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن يفوز منافس بانتخابات.

الخطر أن تدخل فتح الانتخابات مشتتة، فتكتشف بعد إغلاق الصناديق أن أصوات أبنائها توزعت بين عدة قوائم، وأن الآخرين نجحوا في توحيد أصواتهم بينما بقيت فتح منشغلة بخلافاتها الداخلية.

وهنا يتحول الخلاف التنظيمي إلى خسارة وطنية وسياسية.

المطلوب من فتح الآن: الاستيقاظ قبل فوات الأوان

على قيادة حركة فتح أن تدرك أن المرحلة لا تحتمل سياسة الانتظار.

المطلوب قائمة فتحاوية قوية، واسعة، نظيفة، تضم أصحاب التاريخ والكفاءة والشباب والمرأة والمستقلين، وتفتح الباب أمام كل فتحاوي يشعر أن الحركة بيته الأول.

المطلوب أيضًا مصالحة فتحاوية حقيقية، وإعادة الاعتبار لقواعد الحركة، وإبعاد الحسابات الشخصية والمناطقية والتنظيمية الضيقة عن القرار الانتخابي.

فإذا كانت هناك قوى تعمل على توحيد صفوفها لخوض الانتخابات، فليس من المنطقي أن تدخل فتح المعركة وهي منشغلة بتصفية الحسابات داخل بيتها.

الانتخابات لا ترحم المنقسمين.

أما الحديث عن الدعم الخارجي…

فإن أي تحالف فلسطيني يجب أن يعلن للشعب بوضوح: من يقف خلفه؟ ومن يموله؟ وما هي مصادر تمويل حملته؟ وما هي التزاماته السياسية؟

ليس اتهامًا لأحد أن نطالب بالشفافية.

وفي ظل الحديث المتداول عن أدوار إقليمية ودولية، يصبح من حق المواطن الفلسطيني أن يعرف الحقيقة، لا أن يسمع الشائعات.

إذا كان هناك دعم خارجي لأي قائمة، فليُعلن عنه بوضوح.

وإذا لم يكن هناك دعم، فليخرج أصحاب هذه القوائم وينفوا ذلك أمام الشعب.

فالمشروع الوطني الفلسطيني يجب أن يكون فلسطيني القرار، فلسطيني التمويل، فلسطيني الإرادة.

ولا يجوز أن تتحول الانتخابات إلى بوابة تعيد من خلالها أطراف إقليمية أو دولية صياغة النظام السياسي الفلسطيني وفق مصالحها.

الرسالة إلى أبناء فتح

يا أبناء فتح…

هذه ليست دعوة للتعصب الحزبي، وليست دعوة لإلغاء الآخرين.

إنها دعوة إلى حماية التعددية، ولكن أيضًا إلى حماية المشروع الوطني.

من حق حماس أن تشارك.

ومن حق اليسار أن يشارك.

ومن حق المستقلين أن يشاركوا.

ومن حق أي تيار فلسطيني أن يخوض الانتخابات.

لكن من حق فتح أيضًا أن تدافع عن وجودها وتاريخها ودورها، وأن تدخل الانتخابات موحدة وقوية.

لا تسمحوا لأحد أن يحول أخطاء فتح إلى مبرر لإلغاء فتح.

ولا تسمحوا للغضب من بعض القيادات أن يتحول إلى غضب من الحركة نفسها.

غيّروا من تريدون تغييره، حاسبوا من يجب محاسبته، وجدّدوا من يحتاج إلى التجديد، لكن لا تهدموا البيت الذي بناه الشهداء والمناضلون.

إن المعركة القادمة ليست بين فتح وأشخاص.

إنها بين مشروع يريد الحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، ومشاريع قد تتقاطع مصالحها في هذه اللحظة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني.

ولهذا يجب أن يكون شعار المرحلة:

إصلاح فتح لا إسقاطها…
تجديد فتح لا تفكيكها…
وتوحيد الصف الفتحاوي دفاعًا عن القرار الوطني الفلسطيني.

فإذا كانت الانتخابات القادمة ستقرر شكل المجلس التشريعي، فإنها قد تقرر أيضًا من يملك مفتاح القرار الفلسطيني في السنوات القادمة.

وهنا يجب أن ينتبه الجميع:

المعركة ليست على عدد المقاعد… المعركة على فلسطين ومن يقرر مستقبلها