المغرب : حذف عبارة المسلمين من سيارات نقل الموتى

السياسي – أثار قرار وزاري مشترك في المغرب صادر عن وزارتَيْ الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية، نُشر في الجريدة الرسمية، نقاشاً واسعاً في المغرب، بعدما نصّ على منع تضمين سيارات نقل الموتى أي عبارات أو شعارات باستثناء عبارة «نقل الأموات» وشريطين أخضرين، مع الإشارة إلى اسم المالك فقط. كما نص القرار على حذف عبارة الشهادتين «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وعبارة «نقل أموات المسلمين» من سيارات نقل الموتى.
القرار الذي جاء في سياق وضع معايير تقنية وصحية دقيقة لتنظيم نقل الجثث وعمليات إخراجها من القبور، تحوّل سريعاً من إجراء إداري إلى موضوع سجال سياسي وديني وهوياتي، مسّ حدود مفهوم الحياد في المرفق العمومي وعلاقته بالمرجعية الدستورية للمغرب، أي الإسلام.
الجدل لم يتركز على هذه المقتضيات الصحية، بل على حذف عبارة الشهادتين «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وعبارة «نقل أموات المسلمين» من سيارات نقل الموتى، وهو ما اعتبره منتقدون مساساً برمز ديني متجذر في الوجدان الجماعي للمغاربة. فقد رأى رئيس «رابطة علماء المغرب العربي»، الحسن بن علي الكتاني، أن القرار يثير الاستغراب في بلد ينص دستوره على أن الإسلام دين الدولة ويقوده ملك يحمل لقب «أمير المؤمنين»، متسائلاً عمّا إذا كان الأمر توجهاً نحو علمنة الحياة والممات معاً. واعتبر أن من الطبيعي أن تنعكس هوية الأغلبية المسلمة في بعض مظاهر الفضاء العام.
من جهته، اعتبر رشيد بن كيران، أستاذ بمعهد الغرب الإسلامي للتكوين والبحث العلمي، أن القرار لا يبدو حيادياً بقدر ما يبدو «إعادة تعريف صامت لهوية المجال العام». وأوضح أن الحياد الذي يُستدعى هنا لا يُمارس بين أديان متساوية في المرجعية الدستورية، بل تجاه الدين الذي يشكل الأساس الرمزي والثقافي للأغلبية الساحقة من المواطنين المغاربة. وأضاف أن حماية حقوق الأقليات الدينية مبدأ دستوري، غير أن ذلك لا يعني تجريد الأغلبية من رموزها التعريفية المشروعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة موجهة عملياً لأموات المسلمين، حيث تكون العبارة توصيفاً لطبيعة الخدمة لا فرضاً لعقيدة على أحد.
أما الأكاديمي يحيى اليحياوي، فكتب أن القرار يجيب عن سؤال لم يُطرح أصلاً، مشيراً إلى أن الأقليات الدينية في المغرب لها مقابرها وطقوسها الخاصة ولا تعتمد على خدمات المسلمين في دفن موتاها. وانتقد حذف العبارات الدينية، داعياً في المقابل إلى الاهتمام بوضعية مقابر المسلمين التي تعاني، بحسب وصفه، من الإهمال وسوء التنظيم مقارنة بمقابر اليهود والمسيحيين التي تتميز بالتسييج والتنظيم.
في السياق ذاته، اعتبر خالد الصمدي، الوزير الأسبق المكلف بالتعليم العالي، أن القرار لم يكن إجراء تقنياً عابراً، بل خطوة قد تُفهم كجسّ لنبض المغاربة وتمهيد لتصاعد ما وصفه بالعنف الرمزي ضد مظاهر التدين في الفضاء العام تحت غطاء التسامح وعدم التمييز. وربط القرار بسياق تحولات أخرى، معتبراً أن تراكم مثل هذه الخطوات قد يُحدث احتقاناً مجتمعياً إذا لم يتم توضيح خلفياتها بشكل شفاف.
بدوره، تساءل الناشط السياسي حسن حمورو عمّا إذا كان القرار مجرد تدبير إداري تقني أم يحمل حمولة رمزية وثقافية ودينية لم يُحسن تقدير أثرها المجتمعي. وأكد أن عبارة الشهادتين ليست شعاراً سياسياً ظرفياً، بل كلمة توحيد جامعة تتجاوز الانقسامات، مشيراً إلى أن مواجهة احتمال الاستغلال لا تكون بإقصاء الرمز ذاته، بل بالتمييز بين قداسة الكلمة وسوء توظيفها.
من جهتها، أصدرت «الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان» بياناً اعتبرت فيه أن القرار يطرح إشكالاً حقيقياً في فهم مفهوم الحياد داخل دولة ينص دستورها صراحة على أن الإسلام دينها ويجعل من المرجعية الإسلامية أحد ثوابتها الجامعة. وأكدت أن الحياد الإداري لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجريد المجال العام من رموزه الحضارية والثقافية المرتبطة بهوية الأغلبية الساحقة من المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة موجهة عملياً لأموات المسلمين. ودعت إلى فتح نقاش مؤسساتي مسؤول للتوفيق بين حياد المرفق العمومي والمرجعية الدستورية للدولة، بما يضمن احترام التعدد دون المساس بالثوابت الوطنية.
في المقابل، يرى متابعون أن القرار يندرج في إطار توحيد هوية المرفق العمومي وتفادي أي لبس أو توظيف محتمل للرمزية الدينية في سياقات مختلفة، معتبرين أن عبارة «نقل الأموات» صيغة جامعة ومحايدة تشمل جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم، وأن الدولة مسؤولة عن ضمان خدمات عمومية موحدة لا تُميز بين المواطنين.