في علم السياسة، فإن الأطراف المختلفة في الصراع الميداني، حين تصل إلى مرحلة العجز عن تحقيق الحسم العسكري، تلجأ إلى خيار المفاوضات، من خلال اختيار وسيط يشكّل عاملًا أساسيًا في نقل الرسائل بين طرفي الصراع.
إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت قد توهّمت، قبل البدء بالعدوان الأمريكي على إيران، بأن إسقاط النظام بات قاب قوسين أو أدنى. كما توهّمت المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، التي تدرك حاجة بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف للتخلص من النظام الإيراني، وفرض السيطرة الإسرائيلية على الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يمكّن” إسرائيل” من التحول إلى قوة إقليمية تنازع مصر دورها الإقليمي والدولي.
وتدرك” إسرائيل” أنها لن تنجح في تنفيذ عدوانها على إيران بمفردها، لذلك قدّمت معلومات أمنية للرئيس ترامب تفيد بأن النظام الإيراني آيل إلى السقوط، وفق تقديرات الموساد. إلا أن هذه الحسابات لم تصمد أمام الواقع، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى التراجع عن مسودة الاتفاق مع إيران.
لقد فشل مخطط ترامب ونتنياهو في تحقيق الحسم العسكري وإسقاط النظام الإيراني، رغم حجم الخسائر في القيادات السياسية والعسكرية، بما في ذلك مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي، ثم علي لاريجاني الذي تولّى دورًا قياديًا في إدارة الدولة. ووفقًا لنتائج الضربات الصاروخية وعمليات الاغتيال، كان من المفترض أن ينهار النظام أو يستسلم، إلا أن ما حدث هو تضافر الشعب الإيراني في التصدي للعدوان وحماية سيادة الدولة ومقوماتها.
هذا الصمود دفع الرئيس ترامب إلى تكليف رئيس الوزراء نواز شريف بالتواصل مع إيران، عبر رسائل اتسمت بالتهديد والوعيد، بهدف دفع طهران إلى الانصياع للشروط الأمريكية. غير أن هذه المحاولات لم تؤتِ ثمارها.
لاحقًا، بدأت سلسلة من الحوارات، مع دخول نائب الرئيس (فاينس) على خط الأزمة، وهو الذي يرفض، من حيث المبدأ، الانخراط في حرب مفتوحة. ويأتي ذلك في ظل صراع دولي أوسع يتمحور حول النفوذ الاقتصادي، خاصة مع صعود الصين كقوة منافسة للولايات المتحدة، نتيجة حجم التبادل التجاري الكبير بينها وبين دول العالم، ولا سيما مع إيران، التي تُعد من أبرز مصادر النفط والغاز.
وبعد نحو 40 يومًا من الحرب الضروس بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تنحنِ طهران للشروط الأمريكية، ما أدى إلى التوجه نحو خيار المفاوضات المباشرة، التي جرت بوساطة إسلام آباد، حيث يحظى نواز شريف بثقة الرئيس ترامب.
المفاوضات المباشرة في إسلام آباد لم تفشل ولم تنجح بشكل حاسم، لكنها تمثّل خطوة إيجابية على طريق جولات تفاوضية لاحقة، قد تفضي إلى الانتقال من المواجهة العسكرية إلى تفاهمات حول عدد من نقاط الخلاف.
في المقابل، من المتوقع أن تعمل “إسرائيل” على تعطيل المسار التفاوضي بين إيران والإدارة الأمريكية، خاصة في ظل رهانها على مسار تفاوضي موازٍ مع لبنان، لتحقيق هدفين أساسيين: تجريد حزب الله من سلاحه، بما يزيل العقبة أمام الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، ودفع لبنان نحو مسار التطبيع، بما يكرّس النفوذ الإسرائيلي في بلاد الشام، لا سيما بعد التطورات في سوريا، وجولات التفاوض التي جرت في باريس وجنيف.
في هذا السياق، يشكّل استمرار الحرب، بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، طوق نجاة سياسي، يجنّبه المثول أمام القضاء في قضايا الفساد والرشوة، كما يتيح له التهرب من تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023 في قطاع غزة. لذلك، يبدو أن لديه دافعًا قويًا للاستمرار في العدوان على مختلف الجبهات.
عمران الخطيب





