المقبرة السرية للرفاهية.. أين تختفي بضائع العلامات الفاخرة غير المباعة؟

السياسي -متابعات

تتصاعد أعمدة الدخان خلف الأسوار العالية لبعض أضخم دور الأزياء العالمية، حاملةً معها بقايا حرير وجلود ومنتجات فاخرة لم يلمسها أحد، في ممارسة ظلت لسنوات “الوجه الخفي” الذي يحفظ للرفاهية هيبتها وللعلامات التجارية ندرتها.

واليوم، وضعت المفوضية الأوروبية حداً لهذا المشهد الرمادي عبر إجراءات حاسمة تحظر على الشركات تدمير سلعها غير المباعة، لتقلب بذلك الطاولة على ثقافة “الهدر المتعمد” التي طالما كانت جزءاً من هوية قطاع الموضة الراقية، وتفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية وبيئية حول ضريبة الفخامة في زمن التغير المناخي.

لماذا تحرق العلامات الفاخرة منتجاتها؟

قد يبدو للوهلة الأولى عصياً على الفهم أن تقوم دور أزياء عريقة مثل “Burberry” أو “لوي فيتون” أو مجموعات ضخمة مثل “ريشمونت” (المالكة لكارتييه) بحرق منتجات كلفتها ملايين الدولارات بدلاً من بيعها بأسعار مخفضة.

ورغم أن الفكرة قد تبدو غير منطقية، فإن منطق صناعة الرفاهية يختلف جذرياً عن منطق تجارة التجزئة التقليدية، ففي الأسواق العادية تُباع المنتجات غير المباعة بخصومات كبيرة لتصريف المخزون، لكن في عالم الفخامة يمكن أن يؤدي التخفيض الكبير إلى تقويض القيمة الرمزية للمنتج.

تأثير فيبلن

إذ تعتمد العلامات الفاخرة على ما يسميه الاقتصاديون “تأثير فيبلن”، حيث تزيد جاذبية المنتج كلما ارتفع سعره لأنه يعكس مكانة اجتماعية أعلى، لذلك فإن طرح المنتجات بخصومات كبيرة قد يهدد هذه الصورة ويجعلها تبدو أقل ندرة أو تميزاً.

حماية صورة العلامة التجارية

في عالم الرفاهية، القيمة لا تكمن في الجودة فحسب، بل في “الندرة”، فإذا وصلت حقيبة “هيرميس” أو “شانيل” إلى رفوف التخفيضات أو المتاجر الشعبية، فإن “حلم الرفاهية” يتبخر، إذ تخشى العلامات التجارية ما يسمى بـ “تآكل صورة العلامة”، فالمشتري الذي يدفع آلاف الدولارات مقابل حقيبة يريد التأكد من أنها لن تصبح سلعة عامة يمتلكها الجميع بخصم 70%.

لهذا السبب تفضّل بعض الشركات إتلاف المخزون الزائد بدلاً من تخفيض سعره، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على “الرفاهية الحصرية والنظرة الاجتماعية” التي تسوّقها هذه العلامات لعملائها.

مواجهة التقليد والسلع المزيفة

أيضاً تمثل السلع المقلدة تحدياً ضخماً لصناعة الرفاهية عالمياً، حيث تنتشر نسخ مزيفة من المنتجات الفاخرة في الأسواق الإلكترونية والشوارع التجارية، ويخشى المصنّعون من أن يؤدي تسريب المخزون غير المباع إلى تسهيل عملية تقليده أو استخدامه كنموذج لإنتاج نسخ مزيفة.

ومن هنا، يصبح تدمير المخزون وسيلة لضمان بقاء السيطرة الكاملة على توزيع المنتجات، حتى وإن كان ذلك على حساب خسارة مالية مباشرة.

انتقادات بيئية وأخلاقية
أثارت هذه السياسات ردود فعل غاضبة من نشطاء البيئة والمستهلكين، الذين يرون أن إتلاف منتجات قابلة للاستخدام في وقت يعاني فيه العالم من أزمة نفايات متزايدة يمثل سلوكاً غير مسؤول.

كما يرى منتقدون أن المشكلة الأساسية ليست في التخلص من المخزون، بل في الإفراط في الإنتاج، حيث تُنتج بعض العلامات كميات تفوق الطلب الفعلي لضمان توفر المنتجات في الأسواق العالمية.

وتشير الباحثة في سياسات الموضة موتشانيتا تن نابل إلى أن المخزون غير المباع ليس حادثاً عرضياً، بل جزءاً من نموذج الأعمال في صناعة الأزياء، معتبرة أن المشكلة الحقيقية تكمن في الإنتاج المفرط الذي يتخفى خلف شعارات الاستدامة.

تفاصيل القرار الأوروبي الجديد
تشير أرقام الاتحاد الأوروبي إلى أن ما بين 4% إلى 9% من المنسوجات في أوروبا تُدمر قبل استخدامها، وهو ما يعادل 5.6 مليون طن من انبعاثات الكربون سنوياً، وهو ما وصفته المفوضية بأنه “ضرر بيئي لا يمكن تبريره”.

لذلك، بحلول يوليو (تموز) 2026، لن يكون بمقدور عمالقة الموضة في الاتحاد الأوروبي الاستمرار في هذه الممارسة، فقد اعتمدت المفوضية الأوروبية إجراءات صارمة بموجب لائحة “التصميم البيئي للمنتجات المستدامة” (ESPR)، تهدف إلى وضع حد للهدر.

أبرز بنود القرار:

– حظر التدمير: يُمنع حظر حرق أو طمر الملابس والأحذية والإكسسوارات غير المباعة للشركات الكبيرة اعتباراً من 19 يوليو 2026، على أن يمتد الحظر للشركات المتوسطة في عام 2030.

– شفافية البيانات: ستكون الشركات ملزمة بالإفصاح علناً عن كمية المنتجات التي تتخلص منها والأسباب الكامنة وراء ذلك، مع بدء تطبيق التقارير المعيارية في فبراير (شباط) 2027.

– المسؤولية الممتدة (EPR): يتوجب على العلامات التجارية تغطية التكاليف الكاملة لمعالجة نفاياتها داخل الكتلة الأوروبية.

البدائل المتاحة للعلامات الفاخرة
مع تضييق الخناق القانوني، تبرز استراتيجيات جديدة لإدارة الفائض:

– إعادة التدوير الفاخر: تفكيك المنتجات والحقائب غير المباعة واستخدام أجزائها أو جلودها في مجموعات محدودة الإصدار.

– المبيعات الخاصة الصامتة: بيع المخزون بخصومات كبيرة ولكن فقط لعملاء “VIP” وبشكل سري تماماً لضمان عدم وصول السلع للجمهور العام.

– شراكات إعادة البيع: التعاون مع منصات مثل “The RealReal” أو “Vestiaire Collective” لبيع السلع كبضائع “مستعملة فاخرة” تحت رقابة العلامة الأم.

– التبرع المتحكم به: منح السلع لجمعيات خيرية مع شروط صارمة تمنع إعادة بيعها في الأسواق.

لذلك يرى محللون أن القرار الأوروبي ليس مجرد تشريع بيئي، بل هو إعلان عن نهاية حقبة “الرفاهية المدمرة”، إذ لم يعد كافياً أن يكون المنتج جميلاً أو نادراً؛ بل يجب أن يكون مسؤولاً، فالمستقبل لن يكون لمن يحرق بضائعه ليثبت ندرتها، بل لمن يبتكر طرقاً تجعل من “الاستدامة” هي الفخامة الجديدة.