لم تعد محاولات إسرائيل تهجير الفلسطينيين من ارضهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل تشمل القدس الشرقية، ولكن بطرق خفية وصامتة بدون أي ضجة على وسائل الاعلام، تبدأ بضريبة “الأرنونا”، مرورا بفواتير مالية كبيرة، ولا تنتهي بمخالفات البناء والرسوم وتدمير بيوت المقدسيين، في محاولة واضحة لإجبارهم على ترك بيوتهم او بيعها للمستوطنين والهرب.
وتفرض بلدية الاحتلال في القدس ضريبة يُطلق عليها “الأرنونا” بشكل سنوي على العقارات، وذلك بناء على مساحة المنزل وموقعه وتصنيفه، دون النظر الى دخل الأسرة أو مستوى الخدمات التي تتلقاها، وتتراوح بين نحو 130 شيكلا للمتر المربع، أي أن المنزل الذي تبلغ مساحته 100 متر مثلا، ستدفع 13000 شيكل سنويا، دون الحديث عن فاتورة المياه والكهرباء والانترنت وتكاليف الحياة.
ووفقا لمقدسيون، فإن العبئ لا يتوقف على “الأرنونا” في القدس، بل يمتد الى مخالفات للسيارات ومواقفها، ورسوم اعتراضات ومحاكم، ومحامين، وتكاليف المعاملات المرتبطة بتراخيص البناء وتسوية أوضاع المنازل، مبينين أن الفاتورة الأكبر تكمن في الحصول على رخصة بناء في الاحياء الفلسطينية بالقدس الشرقية، بحيث يحتاج المقدسي إلى مخططات هيكلية وإثباتات ملكية وموافقات هندسية وإجراءات طويلة ومكلفة جدا، فيما من المتوقع أن يتم رفضها من قبل البلدية بعد أعوام من التكاليف.
ويؤكد المقدسيون أنهم يضطرون للبناء دون ترخيص، نظرا لحاجتهم الضرورية لزيادة في المساحات، نظرا لزيادة أعداد العائلات وضيق مساحة بيوتهم، الأمر الذي يدفعهم لدفع غرامات بآلاف الشواكل، وجلسات محاكم لا تتوقف، وانفاق على المحامين، وبالنهاية أمر هدم، رغم انفاق بعض العائلات مبالغ كبيرة تصل إلى 90 الف شيكل لمنع الهدم.
والمصيبة الكبرى بحسب شهادات مقدسية، أنه في حال تم تنفيذ عمليات الهدم، فإن بلدية الاحتلال تُطالب العائلة المقدسية تكاليف الجرافات والشرطة والحراسة وإزالة الأنقاض، الأمر الذي يدفع الكثير من العائلات إلى هدم منازلها بأيديها لتفادي فاتورة باهظة الثمن.
وتكشف معطيات حقوقية إلى أن سلطات الاحتلال هدمت نحو 255 منشأة فلسطينية في القدس الشرقية في عام واحد، بينها 108 منشآت قام أهاليها بهدمها ذاتيا.
وفي أحياء القدس الشرقية مثل سلوان والعيسوية والطور ورأس العامود والبلدة القديمة تتحول مواقف السيارات إلى باب إضافي للجباية والمضايقة، فالعديد من هذه المناطق تعاني شوارع ضيقة ونقصا في المواقف العامة، فيتلقى صاحب السيارة مخالفات بسبب الوقوف في أماكن لا تتوفر لها بدائل كان من المفترض أن توفره له حتى لا يتم فرض مخالفة!
كما أن الأحياء الفلسطينية بالقدس تعاني من نقص واضح في المدارس والغرف الصفية، وسوء الطرق والأرصفة وشبكات الصرف الصحي، وتراكم النفايات، وضعف الإنارة والمرافق العامة ومواقف المركبات، خصوصا في مخيم شعفاط ورأس خميس ورأس شحادة وضاحية السلام، وهي مناطق يسكنها عشرات الآلاف داخل حدود بلدية الاحتلال.
في المقابل، ترد بلدية الاحتلال، في أوقات سابقة على هذه الانتقادات، بأنها استثمرت نحو 2.2 مليار شيقل في القدس الشرقية خلال 5 سنوات، وإن إجراءاتها تستهدف المباني المخالفة للقانون، غير أن المؤسسات الحقوقية تؤكد أن الأزمة تبدأ أصلا من سياسات التخطيط التي تقيد البناء الفلسطيني، وتدفع السكان إلى خيارات مستحيلة.
وفي الوقت الذي لا تطالب المقدسيين بشكل صريح الهجرة من البلدة التي يطمع فيها المستوطنون، إلا أن تراكم الضرائب والديون الباهظة والغرامات الكثيرة، وتعقيد عمليات البناء لهم، ورفع أجور السكن، وعمليات الهدم التي لا تتوقف، قد يجعل البقاء للفلسطيني أمر مرهق ماليا لدرجة دفعت بالفعل بعض العائلات للسفر الى الضفة الغربية والاستقرار هناك، بعيدا عن القدس، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “الهجرة الصامتة” بعد معركة مالية مرهقة!